كتابه العظيم: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] ، فكلما كان الإنسان عالمًا عظمت خشية الله عز وجل في قلبه؛ لأنه يعمل عن تعبد ومعرفة، بخلاف الإنسان الذي يعمل بغير علم فإن خشيته تضعف؛ لأنه قلد أو رأى الناس يقولون ويعملون فقال وعمل؛ وهذا يضعف جانب خشية الله عز وجل فيه، فتجد فيه التفريط لأنه لا يدري لماذا فرط.
ولهذا نقول: إن الجهل على نوعين، كما أن العلم على نوعين، وأقسام العلم والجهل لها اعتبارات، ولكن نقول: إن العلم على نوعين، والجهل على نوعين، أولها: الجهل بحقيقة الشيء، والثاني: جهل بمقداره وترتيبه مع غيره، فإذا جهلت مقدار الشيء ولم تعلم ترتيبه مع غيره وقع لديك شيء من الخلط، والإنسان الذي لا يفرق بين أركان الإسلام وبين بقية الواجبات هذا عالم بحقيقة الشيء جاهل بمرتبته، فيقع التفريط في الإنسان بمقدار جهله؛ لهذا نقول: إن أصل الجهل هو الجهل المركب، والأصل أن الإنسان يجهل حقيقة الشيء، ولكن الجهل الذي تعم به البلوى هو جهل مقادير الأشياء ومراتبها، وهذا هو أكثر ضلال البشرية؛ لهذا كفار قريش ضلالهم هو بسبب عدم العلم أصلًا أم العلم مع عدم معرفة المراتب؟ عدم معرفة المراتب، فهم يعلمون أن الله عز وجل هو الرازق والخالق وهو المحيي المميت سبحانه وتعالى، ولكنهم يجهلون مقدار حق الله عز وجل ومرتبته مع غيره؛ لهذا النبي صلى الله عليه وسلم حينما يدعوهم إلى عبادة الله وحده، ويقولون: نحن بنينا البيت، ونحن كسونا الكعبة، ونحن أصحاب سقاية الحاج، هذه عبادات أو ليست عبادات؟ عبادات لكن هل هي أهم من التوحيد؟ لا، التوحيد أهم منها؛ ولهذا قاتلهم النبي عليه الصلاة والسلام، فهم عند أنفسهم أنهم فعلوا شيئًا من الطاعات فكأنهم يقولون: لماذا تقاتلنا؟ يقول: أقاتلكم على التوحيد؛ لهذا قال الله جل وعلا: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [التوبة:19] ، هل يستوي هذا وهذا؟ لا يستوي.
إذًا: هذا الجهل إنما هو بالمقادير والمراتب، وهذا هو أصل الضلال، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73] ، ما سبب هذا الخلط؟ ما سبب عبادة هذه الأصنام من دون الله؟ أكملوا مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الحج:74] ، إذًا: يعلمون من هو الله ولكن ما عرفوا مقداره، فالجهل بمقادير الأشياء ومراتبها له أثر على عمل الإنسان وخلط في معارفه؛ ولهذا الجاهليون إنما أشركوا مع الله عز وجل وهم يعرفون الله سبحانه وتعالى ولكنهم جهلوا مقداره،