بالجاهل، وازدرائه وتنقصه وعدم الاكتراث به، وهذا مناف لقيمة العلم، فالإنسان كلما كثر علمًا تواضع.
ولهذا يقال: إن الإنسان إذا ثقل علمًا انخفض وتواضع للناس، كحال السنابل، السنبلة إذا امتلأت هل تبقى شامخة أو منحنية؟ منحنية، والفارغة؟ تبقى شامخة، كذلك الجهال يعتدي إذا لم يكن لديه شيء؛ لهذا ينبغي للإنسان أن يعلم أنه كلما ازداد علمًا ازداد تواضعًا؛ لأنه كلما استكثر علمًا علم أن ثمة مفقود لديه، فهذا يورثه تواضعًا ومعرفة بالنقص الذي لديه.
لهذا من أمور التواضع أن يفكر الإنسان بمساحة جهله، لا بمساحة علمه، فهذا يورثه تواضعًا، أما الذي يفكر بمساحة علمه يظن أنه استوعب كل شيء، وليس عنده شيء، هذا يورثه كبرًا؛ ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85] ، فالعلم لله جل وعلا، فالله سبحانه وتعالى له العلم المطلق في هذا سبحانه وتعالى، يعلم الله جل وعلا ما كان، ويعلم ما يكون، ويعلم ما سيكون، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، حتى الأمور المتناقضة أو المستحيلة يعلم الله عز وجل لو قدر كونها ما هي آثارها؟ وهذا هو العلم المطلق لله سبحانه وتعالى، فإذا علم الإنسان سعة علم الله سبحانه وتعالى استصغر نفسه، وإذا استكثر من العلم واستزاد منه علم أن ما لديه من العلم إنما هو شيء يسير وهو بحاجة إلى الاستزاده؛ لأن الإنسان إذا فكر بمساحة جهله استزاد علمًا، وإذا فكر بمساحة علمه ازداد في ذلك كبرًا واكتفاء بما لديه.
قال رحمه الله:[باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه.
حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود، قال: قال لي ابن الزبير: كانت عائشة تسر إليك كثيرًا، فما حدثتك في الكعبة؟ قلت: قالت لي: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة! لولا قومك حديث عهدهم - قال ابن الزبير: بكفر - لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين، باب يدخل الناس، وباب يخرجون) ففعله ابن الزبير].
في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى آثار الأفعال قبل الأفعال، وذلك من الحكمة وبعد النظر، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما ينظر إلى الحق مجردًا، بل ينظر إلى موضع وضعه وآثاره بعد ذلك، وهذا من الحكمة والدراية وسعة العلم والمعرفة أن الإنسان إذا ملك دليلًا وملك الحجة لا يعني من ذلك أنه يحسن الوضع، فربما يملك الدليل والحق لكنه لا يحسن وضعه، فيحدث من ذلك جملة من المفاسد.
ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان أعلم الناس بالحق، وأعلم الناس بمواضع الحق، وما كل شيء حسن