اغتباط له قيمة وكرامة إلا في هذين الأمرين باعتبار العلم، وكذلك أيضًا الإنفاق في سبيل الله عز وجل.
وقول عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى: (تفقهوا قبل أن تسودوا) ؛ لأن الإنسان إذا انشغل وساد، سواء كانت ولايته صغرى، أو كبرى، فالولاية الصغرى أن يتولى الإنسان على زوجة وذرية وينشغل بالإنفاق، أو بالعمل، أو ربما أيضًا يتولى على تجارة أو عمال ويكون لديه مثلًا انشغال في هذا الباب، أو يتولى ولاية كبرى مثلًا على بلد أو قرية أو إدارة أو مدرسة أو غير ذلك هذا نوع من الولايات التي تشغل الإنسان؛ ولهذا قال: (تفقهوا قبل أن تسودوا) وفي هذا إشارة وتنبيه إلى أنه ينبغي على الإنسان أو الوالد أو المعلم أن يربي الناس في زمن انشغالهم وتفرغهم، وينبغي أيضًا على ولي الأمر أن يحرص على هذا الأمر من أبنائه وبناته ومن يلي أمره بتعليمهم قبل توليهم الأمر؛ لأنهم سينصرفون إلى أمر القيادة، والقيادة يلزمها عمل، فإذا لم يعمل على علم لم يوفق إلى الصواب غالبًا، وكذلك أيضًا فإن الإنسان في فراغه يتحصل على العلم والذهن صافٍ، وإذا لم يكن الذهن منشغلًا بشيء من الصوارف الدنيوية فهو أقرب إلى الحفظ، وأقرب إلى الفهم، وأدرك أيضًا في مسائل الاستنباط.
قال رحمه الله: [باب ما ذكر في ذهاب موسى صلى الله عليه وسلم في البحر إلى الخضر. وقوله تعالى: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [الكهف:66] .
حدثني محمد بن غرير الزهري، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن صالح، عن ابن شهاب حدث أن عبيد الله بن عبد الله أخبره عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى، قال ابن عباس: هو خضر، فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس، فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيه، هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه؟ قال نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى بلى عبدنا خضر، فسأل موسى السبيل إليه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه، وكان يتبع أثر الحوت في البحر، فقال موسى لفتاه: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا [الكهف:63 - 64] فوجدا خضرًا، فكان من شأنهما الذي قص الله عز وجل في كتابه) ].
في هذا استحباب الرحلة في العلم، والانتقال من موضع لا يجد فيه الإنسان عالمًا، أو يجد مثلًا في بلد آخر من هو أعلم ممن هو في بلده، ففي ذلك فوائد عظيمة: منها مصاحبة العالم، والاقتداء به، والتأسي بما لديه