فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 86

السبب الثاني: أنه يتورع من كتمان ما لديه من حديث، فيكثر من ذلك حتى يفرغ ما لديه من علم، فإذا قبضه الله عز وجل قد أدى ما عليه، وقد أبرأ ذمته عليه رضوان الله تعالى بما حمل من حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي هذا أيضًا حرص الصحابة عليهم رضوان الله تعالى على طلب الدعاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجابة النبي عليه الصلاة والسلام لهم في ذلك، وأما ما بثه أبو هريرة فهو أحاديث الأحكام، ومسائل الدين، ومن أمور الإيمان والأصول والفروع، وما يتعلق بأمور الآداب، وأما ما لم يبثه فهي أحاديث الفتن من الإخبار عن نوازل أو أسماء أو نحو ذلك، فربما حدث النبي صلى الله عليه وسلم أبا هريرة وغيره بشيء من ذلك، فحبس أبو هريرة ذلك خشية الفتنة؛ ولهذا كان يلمح في بعض الأحاديث عليه رضوان الله تعالى كما قال: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان، فتوفي عام تسعة وخمسين قبل إمرة يزيد، وهذا إشارة إلى أنه يعلم أمورًا أعلمها الله عز وجل إياه بواسطة نبيه صلى الله عليه وسلم، فكان لا يريد الإخبار بشيء من الفتن، هو يريد أن يتعامل الناس معها كحادثة وعابرة، وأن لا يتسبب بشيء من اضطراب الناس وأحوالهم، فربما لحقه شيء من الأذية في ذلك؛ ولهذا قال: (وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم) .

ونقول: هل للإنسان أن يحبس شيئًا من أحكام الدين فيفوت على الناس دينهم فيقع في ذلك لبس إذا خشي على نفسه يجوز أو لا يجوز؟ لا يجوز، هل الذي أخفاه أبو هريرة عليه رضوان الله من أمور الدين أو من أمور الأخبار؟ من أمور الأخبار، لو كان من أمور الدين لانتهى تبليغه لها بزمانها، أما هذه فقد بقيت معه إلى رأس الستين، ثم جاءت بعدها، أين الدين؟ الدين لا يذهب وهو باقٍ محفوظ، إذًا: هذه نوازل وحوادث تتعلق بزمن، أما دين الله عز وجل فلا يجوز للإنسان أن يكتم بحال بيان مسائل الدين وأموره.

... باب الإنصات للعلماء

قال رحمه الله:[باب الإنصات للعلماء.

حدثنا حجاج، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني علي بن مدرك، عن أبي زرعة، عن جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في حجة الوداع: (استنصت الناس، فقال: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) ].

في قوله هنا: (باب الإنصات للعلماء) إشارة إلى أهمية الأدب بالإنصات وعدم انصراف الذهن، أو انشغال القلب، أو انصراف البصر والسمع؛ ولهذا كان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى إذا قام فيهم النبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا قالوا استقبلناه بوجوهنا، استقبلوه بالوجوه، وذلك أرعى إلى الفهم والسمع، وكذلك أدعى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت