فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 86

وعرفوا العبادة وجهلوا مقاديرها، فوقع فيهم الكفر.

وهكذا في كل معلوم إذا جهلت مقداره فرفعته، أو جهلت مقداره فوضعته وقع لديك خلط في بذل وصرف العبادة له، ولهذا الذين يعبدون الأصنام من دون الله يعلمون أنها جمادات ومصنوعة من حجر أو من شجر أو من تمر يعرفون هذا أو لا يعلمون؟ يعلمون، لكنهم جعلوا لها من القيمة والمقدار ما زاد عن حقيقتها، وتفرع عن ذلك أن صرفوا عبادة لها لا تليق بها.

ولهذا نقول: لا بد من تحقق العلم بنوعيه: العلم بمعرفة الشيء، الثاني العلم بمقداره ومرتبته، فتعلم أن الله عز وجل سبحانه وتعالى خالق، وتعلم ما هو مقدار هذا الخالق من جهة ما تصرف له، أيضًا تعلم أن هذا صنم، وتعلم كذلك ما هو مقدار هذا الصنم من جهة قيمته عندك أو نحو ذلك.

... التحذير من تقديم المفضول على الفاضل

والإضلال بهذا هو سبب ضلال البشرية، وكذلك سبب ضلال المتعلمين أيضًا، لذا تجد من الناس من يأخذ العلم المفضول ويدع الفاضل لجهله بمقدار الفاضل على المفضول، ومن هنا نقول: إن الجهل بقيم الأشياء ومراتبها هي التي تضل الإنسان وتحرفه عن طريق الحق، فمثلًا: تجد إن كثيرًا من الناس أو كثيرًا من المتعلمين يتوجهون إلى العلوم ربما لرغباتهم لا بالانصراف إلى حقيقتها، لكن الإنسان يتعلم العلم لرغبته الشخصية أو لحاجة الناس؟ نعم لحاجة الناس؛ ولهذا تجدون حتى في العلم في أمور الناس الدنيوية الإنسان يتعلم بما يحتاجه إليه سوق العمل، يحتاج مثلًا إلى تخصص في الاقتصاد أو في الطب أو نحو ذلك مما فيه عواز، فيقوم الإنسان بالتخصص فيه مع أنه يرغب في علم آخر، لكنه يتوجه إلى رغبته أو إلى حاجة الناس؟ إلى حاجة الناس حتى ينفذ علمه إليهم؛ لهذا الذين يتوجهون إلى علوم الشريعة عليهم أن ينظروا إلى مراد الله عز وجل بحاجة الناس، وأعظم ما أوجبه الله عز وجل على الناس هو توحيده سبحانه وتعالى.

كذلك أيضًا في بذل الدعوة إلى الله عز وجل يجب على الإنسان أن يدعو الناس إلى ما يحتاجون إليه، إذا كانوا قد فرطوا في أمور التوحيد ووقع فيهم الشرك، هل الإنسان يتوجه إليهم بأمور الفضائل وأمور الأحكام وغير ذلك وهو يعلم أنهم مشركون؟ لا، ولو رغبوا ذلك؛ ولهذا كثير من الدعاة إلى الله أو المصلحين أو الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر لديهم خلل في هذا، تجد أنه يعلم الناس الآداب والسلوك، والتعامل مع الزوجة، والتعامل مع الجار، والتعامل مع الغير، أو نحو ذلك، لكنه لا يشير إلى عقائد التوحيد، وربما يخاطب وثنيين، هل هذه الدعوة بالنظر إليها منفردة صحيحة أو ليست بصحيحة؟ صحيحة، لكن إنزالها هو إنزال مفضول على شيء فاضل.

ولهذا ينبغي أن ينظر إلى ذلك بحسب العلم، يتعلم الإنسان، وكذلك أيضًا يبلغ، والعلماء هم ورثة الأنبياء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت