هذا، لكن لعل الإشارة إلى عمر بن الخطاب عليه رضوان الله فيها أن الأمر يطول له من جهة البقاء في الخلافة، بخلاف أبي بكر، فأبو بكر بقي نحوًا من سنتين، ولكن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله طال به الأمر بعد أبي بكر الصديق عليه رضوان الله، فكانت الإشارة إليه في مثل هذا، وربما في هذا تنبيه للصحابة أن يأخذوا من عمر بن الخطاب للحاجة إليه، وحاجة الناس لطول زمنه، وكذلك أيضًا كثرة الفتن مع كثرة الفتوحات، والفضل الذي آتاه الله عز وجل إياه، واتساع رقعة الإسلام في زمنه، وكثرة الناس وتوافدهم عليه، وقد كثرت رعيته عليه رضوان الله.
قال رحمه الله:[باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها.
حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمرو بن العاص (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاءه رجل فقال: لم أشْعُر فحلقت قبل أن أذبح؟ فقال: اذبح ولا حرج. فجاء آخر فقال: لم أشْعُر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج فما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج) ].
في هذا فتيا النبي عليه الصلاة والسلام وهو على الدابة، وفي هذا إشارة إلى أن العالم ينشغل بقضاء حاجة الناس وإجابتهم أيًا كانت حاله، كان قائمًا أو ماشيًا أو كان جالسًا، ولا موضع لبلاغ العلم ينصرف الإنسان فيه عن قضاء حاجة الناس، بل إن الإنسان على مدار يومه وليلته منصرف لتوجيه الناس، وهذه هي الرسالة والأمانة التي أعطاه الله عز وجل إياها، لا يقول: إن عملي إنما هو مقيد بساعات أو نحو ذلك، إذا وجد جاهلًا علمه وأعطاه ما أعطاه الله عز وجل من خير؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان كذلك، فلا يحتاج إلى مقاعد، أو إلى مياثير، أو إلى حلق، أو غير ذلك، إذا وجد من يسألونه في الطريق أعطاهم حينئذٍ سؤالهم وإجابتهم لحاجتهم إلى ذلك، وأيضًا فإن الإنسان إذا كان جاهلًا ويحتاج إلى مسألة، لا ينتظر إلى اجتماع الناس في موضع أو مسجد أو نحو ذلك، أو مثلًا في مكاتب أو مدارس، يسأل ولو كان في الطريق، فإذا وجد الإنسان قائمًا أو راكبًا يسأله عن شيء من الدين حتى يبرئ دينه.
كذلك أيضًا في وقوف النبي عليه الصلاة والسلام على الدابة إشارة إلى أنه ينبغي للعالم أن يبرز للناس بحيث يسمعونه جميعًا، بخلاف لو كان مثلًا لا يراه إلا واحد أو نحو ذلك، ولكن يبرز للناس عند الخطب على المنابر أو الكراسي أو نحو ذلك خاصة عند وجود الجمع حتى يرى الناس ويفهمون الخطاب وتبلغهم العبارة وكذلك أيضًا الإشارة، بخلاف ما لو كان جالسًا عند عدد لا يراه الأدنى منهم.