مع الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة، ثم وقف النبي عليه الصلاة والسلام للناس يعلم الجاهل منهم، وكذلك أيضًا لم يمنع الناس شدة الزحام واللأواء والشدائد أن يستبرئوا لدينهم، فيعرفوا ما يجهلون من مسائل الدين، وهذا فيه أهمية السؤال عما يجهل الإنسان مهما كانت المشقة، ومهما كانت الصعاب، كذلك فيه أن العالم يبلغ المتعلم والسائل والجاهل في الدين إذا سأله مهما كانت المشقة عليه؛ لأن الإمساك عن الجواب فيه أعظم مشقة عند الله وهي كتمان الحق وكتمان الدين، فلا بد من بيانه.
وفي هذا الحديث أيضًا من الفوائد أن وقوف النبي صلى الله عليه وسلم عند الجمرة وهو يسأل فيه إشارة إلى أنه ينبغي للعالم أن يأتي إلى مجامع الناس، ومعلوم أن الجمرة هي موضع لوجود للناس وهو موضع يختلف عن موضع مزدلفة وعرفة، موضع عرفة ومزدلفة هو موضع مبسوط من الأرض، وهو عدة كيلو مترات، الناس يتوزعون فيه، بخلاف الجمرة فإنها موضع محدد يأتي الناس إليه؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يأتي في مثل هذا الموضع؛ لأنه مجمع للناس، فربما يجهلون مواضع الدين فيه، كذلك أيضًا ينبغي للعالم والمصلح والموجه والمربي أن يأتي إلى مواضع اجتماع الناس فيعلمهم، وذلك في المدارس وفي الجامعات وفي مواضع اجتماع الناس، سواء كان في سوقهم، أو في مواضع اجتماعهم في الميادين وغير ذلك حتى يقوم بتوجيه الناس إلى الحق.
قال رحمه الله: [باب قول الله تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85] .
حدثنا قيس بن حفص، قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا الأعمش سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: (بينا أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في خرب المدينة وهو يتوكأ على عسيب معه، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه. فقال بعضهم: لنسألنه، فقام رجل منهم: فقال يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت، فقال: إنه يوحى إليه، فقمت، فلما انجلى عنه، فقال: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85] ) .
قال الأعمش: هكذا في قراءتنا].
هذا في العلم الذي يؤتاه الإنسان، مهما بلغ الإنسان من العلم يعلم أن هذا العلم قليل بالنسبة لعلم الله سبحانه وتعالى، وكلما كان الإنسان أوعى لهذا المعنى كان أدفع لموضع الكبر الذي يقع في النفوس، فربما يتعلم الإنسان علمًا فيغتر به، ويحمله ذلك على التكبر على الناس وعلى ظلمهم والبغي عليهم، وعدم الرحمة أيضًا