والدواوين، وجرى عليه اصطلاح العلماء لهذا الأمر، فيقال: كتاب الإيمان، كتاب العلم، كتاب الوضوء، كتاب الصلاة، أي: الجامع لأحاديث أو آيات أو مسائل هذا الباب، والمراد بالعلم: هو المعرفة والإدراك، وقيل: إن العلم والمعرفة لا يتساويان من جميع الوجوه؛ ولهذا الله سبحانه وتعالى عالم، ويتحفظ بعض العلماء في إطلاق اسم العارف على الله سبحانه وتعالى بهذا الاعتبار.
قال رحمه الله: [باب فضل العلم، وقول الله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة:11] ، وقوله عز وجل: رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114] ].
وقوله هنا: (باب فضل العلم) ، عادة العلماء أنهم يصدرون الأبواب بفضل الشيء الذي يريدون أن يتحدثوا عنه، كفضل الإيمان، وفضل الصلاة، وفضل الطهور وغير ذلك، وعلى هذا يجري الأئمة عليهم رحمهم الله كالإمام البخاري في كتابه الصحيح في كثير من المواضع.
والعلم هو أفضل وأشرف ما يسعى إليه، وذلك أن الإنسان لا يمكن أن يفعل خيرًا إلا بالعلم، ولا يمكن أن يؤمن إلا وقد تعلم الإيمان قبل ذلك، ولا يمكن أن يصلي إلا وقد تعلم الصلاة قبل ذلك، ولا يمكن أن يزكي إلا وقد تعلم الزكاة قبل ذلك، إذًا: هو عتبة لكل خير.
ولهذا يقول العلماء إن فريضة العلم أفضل من فريضة العمل؛ لأن الإنسان إذا عمل بلا علم عمل على جهالة وبلا إخلاص وإنما تخمين ولو صادف الحق، كذلك أيضًا فإن نافلة العلم أعظم من نافلة غيره؛ وذلك أن الإنسان حتى في أمر الإيمان لا يمكن أن يؤمن إلا وقد عرف الله، وإلا بماذا يؤمن؟ هذا من الأمور البدهية.
ولهذا نقول: إن معرفة الله سبحانه وتعالى سابقة للإيمان به، وهذه المعرفة منها معرفة فطرية موجودة في ذات الإنسان، وهي التي فطر الله عز وجل الناس عليها، كما قال الله جل وعلا: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30] ، وكما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (ما من مولود يولد إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ، إذًا: هذه المعرفة موجودة جبلة في ذات الإنسان.
وكذلك أيضًا فإن من المعرفة ما هي معرفة مكتسبة يأتي بها الأنبياء، وذلك بمعرفة حق الله عز وجل على العباد، فالإنسان يعلم أن الله عز وجل هو الخالق، وهو الرازق، وهو المحيي والميت، لكن ماذا يبذل لهذا الرازق وهذا الخالق وهذا المحيي والمميت سبحانه وتعالى؟ يبذل له العبادة، ما هي العبادة؟ الصلاة، ما صفة الصلاة؟ ما هي أركانها وواجباتها ومواقيتها وغير ذلك؟.