فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 86

لهذا نقول: إن العلم سابق لكل عمل يثاب عليه الإنسان، ومن هذا الوجه يقول العلماء بفضل العلم وجلالة قدره، ويكفي في ذلك قول الله جل وعلا: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] ، العلماء رفعهم الله وأعلى منزلتهم لهذا الأمر: أنهم يتوجهون إلى الناس بالتعليم، ويقوم الناس بالعلم والعمل، وما من أمة نبي من أنبياء الله عز وجل اتبعوه إلا وأجر الأتباع يلحق المتبوع.

وهذا كذلك أيضًا في المنذرين والمبشرين والعلماء والدالين الناس إلى الخير، إن دلوهم إلى الخير بصدق وإيمان وإخلاص لله جل وعلا أثابهم الله سبحانه تعالى بقدر ما يفعلون؛ ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة) ، (ومن دل على هدى) ، إلى غير ذلك من الأمور التي تدل على منزلة العالم.

فقد ذكر الله عز وجل رفع العلماء، وجاء في حديث أنس بن مالك عند الإمام أحمد في المسند قال: (العلماء كالنجوم) ، في هذا جملة من الإشارات منها: أن النجم ثابت بخلاف الكواكب، الكواكب تسير والنجم ثابت، وثبوت النجم فيه دلالة أنه لا يتغير ولا يتحول ولا يتبع الأبصار، وإنما الأبصار تتبعه، يعني لا يتأثر بالجماهير، وإن حيل بينه وبين دعوته يبقى كحيلولة السحاب عن النجم، لا يتغير حتى يراه أهل الأرض، فيراه الجمهور حيل عنه هنا فيذهب هنا ليراني حتى يتزحزح عن مكانه الذي هو عليه، يصبر وينتظر حتى تزول تلك السحابة ثم يرى، فهو ثابت وهو دليل؛ ولهذا الكواكب دلالتها تختلف عن دلالة النجوم، النجوم دلالتها في ذلك ثابتة باعتبار أن النجم هو علامة ثابتة يعرف الإنسان بها الجهات، أما الكواكب المتحركة فيعرف الإنسان بها الأوقات، وهذا أمر معلوم وأمر مشاهد.

(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة:11] ) ، وقد سبّق ذكر الإيمان قبل العلم؛ لأن الإنسان إذا كان عالمًا بلا إيمان كان فيه شبه من إبليس؛ لأن إبليس هو من أعلم مخلوقات الله سبحانه وتعالى بالله، فهو يعلم الله جل وعلا، وشاهد الخطاب، وشاهد الأنبياء على مر العصور منذ أن أنزل الله عز وجل آدم، وطرد الله عز وجل إبليس، وأخرجه وأنزله إلى الأرض، فشاهد ما جاء من أنبياء الله عز وجل بعد ذلك، ورأى مراتب الانحراف في الأمم، والشر في ذلك ونحوه، بل إنه يعلم من الحق ما لا يعلمه كثير من العلماء أو أكثر العلماء؛ لأنه شاهده وعاينه من غير واسطة، فكان أضل؛ لهذا العالم الذي زكاه الله عز وجل هنا هو الذي حمل الإيمان.

فقوله: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] فيه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان كلما ازداد علمًا أن يزداد عملًا، وأن يزداد إيمانًا؛ ولهذا يقول غير واحد من السلف كما جاء عن سفيان: ما ازداد الرجل علمًا فازداد من الدنيا قربًا إلا ازداد من الله بعدًا؛ لأن الإنسان إذا كان عالمًا ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت