يوم الدين.
قال الإمام البخاري يرحمه الله: [باب العلم قبل القول والعمل، وقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] فبدأ بالعلم، وأن العلماء هم ورثة الأنبياء ورثوا العلم، من أخذه أخذ بحظ وافر، ومن سلك طريقًا يطلب به علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة، وقال جل ذكره: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] ، وقال: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] ، وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:10] ، وقال: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ [الزمر:9] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرًا يفقهه) وإنما العلم بالتعلم، وقال أبو ذر: لو وضعتم الصمصامة على هذه وأشار إلى قفاه، ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها. وقال ابن عباس: كونوا حلماء فقهاء، ويقال: الرباني الذي يعلم الناس بصغار العلم قبل كباره].
هذه الترجمة هي من الأبواب المهمة في كتاب العلم، وهي قول المصنف رحمه الله: (باب العلم قبل القول العمل) ، وذلك أن الإنسان لا يصيب الحق إلا بعلم، وإن أصابه فإنه يصيبه إما صدفة أو تقليدًا محضًا، والتقليد المحض لا يليق بالإنسان المكلف الذي يفهم الخطاب ويدرك، وكذلك أيضًا يحسن الجواب؛ ولهذا في قوله: (باب العلم قبل القول والعمل) أي: أنه ينبغي للإنسان أن يسبق قوله وعمله تعلم، وهذا التعلم من الإنسان يتفاوت ويتباين بحسب عمله وقوله، أي: أنه يجب على الإنسان أن يكون على بصيرة من أمره قبل عمله وقوله، وفائدة ذلك الأجر والثواب، فأن الإنسان يثاب على قوله وعمله إذا كان عن علم، بخلاف إذا فعل الإنسان ذلك بالمصادفة، أو فعله يظنه عادة، أو يقلد الناس فيه ولا يدري ما مستند ذلك من الشريعة، فإن هذا يضعف جانب التعبد أو يزيله في الإنسان.
وكذلك أيضًا فإن العلم يعطي الإنسان ثباتًا، وهذا الثبات لا يتزحزح عند وجود أو ورود من يتهم الإنسان مثلًا بالخطأ أو المجازفة أو غير ذلك إذا كان لديه مستند من الوحي من كلام الله أو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك أيضًا فإنه يداوم على ذلك العمل، الإنسان الذي يعمل بلا علم يضطرب أو يكسل، وبمقدار علمه يكون ثباته غالبًا؛ لأن العلم بالشيء يؤدي إلى معرفة ماهيته وحقيقته.
فإذا كان الإنسان يعلم أهمية التوحيد ومقداره، ويعلم أهمية الصلاة ومقدارها، والزكاة ومقدارها، ويعلم أن الصلاة فيها فرائض وفيها نوافل، والنوافل في ذلك على مراتب، ويعلم أيضًا أن الصيام على مراتب: منه ما هو ركن الإسلام، ومنها ما هي نوافل، فهو يثبت على الفرائض؛ لأنه يعلم أنها فرائض، وربما يتساهل بالنوافل لعدم تأكيد الشارع فيها، إذًا: ثباته على العبادة هو فرع عن علمه بقيمتها.
ولهذا نقول: إن الإنسان كلما كان عالمًا بالشيء وحقيقته كان أكثر ثباتًا عليها؛ ولهذا يقول الله جل وعلا في