ولهذا نقول: ليس كل من ملك الحجة يحسن وضعها وتدبيرها؛ فهناك كثير من الناس لديه من الأدلة، ولكنه يجهل الواقع، وما هي الآثار، وهناك من يعرف الواقع ويجهل الدليل؛ ولهذا نقول: لا بد من الموازنة بين معرفة الدليل الذي لا يقاومه شيء من الآثار، ومعرفة الآثار كذلك والدواعي التي تحدث بعد ذلك، وهذا من الحكمة التي يؤتيها الله عز وجل عباده.
وهذا ظاهر أيضًا في حديث عائشة حينما أمسك النبي عليه الصلاة والسلام عن هدم الكعبة، وجعل لها بابين لأن قومها حدثاء عهد بجاهلية، يعني: دخلوا الإسلام قريبًا، والنبي عليه الصلاة والسلام لو فعل هذا الفعل لحصلت فتنة، لأن لديهم تعظيم للبيت وغلو في هذا الباب وهو حجر؛ ولهذا أشركوا مع الله عز وجل، وظنوا أن عمارة البيت الحرام وسقاية الحاج أعظم من توحيد الله، هذا من الخلط الذي لديهم؛ ولهذا أنزل الله عز وجل على نبيه عليه الصلاة والسلام قوله جل وعلا: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ [التوبة:19] ، يعني: أن هذه الأمور إنما وقع خلط فيها عند كفار قريش، وبقي لديهم شيء من ذلك، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يترك مثل هذا الأمر؛ لأنه ليس من أمور الإسلام العظيمة، أو الأصول التي يقدح في ذين الإنسان لو تركها، وإنما هي من المصالح، وأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يجعل للكعبة بابين؛ حتى لا يظن أن ما غاب عنهم حُبس عنهم لأجل مزيته، ولا يدخله إلا الكمل من الناس، والصلاة في جوف الكعبة كالصلاة بجوار الكعبة، هي واحدة، والرجل المجرم الفاسق لو كان داخل الكعبة فهو على حاله فاسق مجرم، والرجل الصالح العابد العالم سواء كان داخل الكعبة أو خارج الكعبة هو صالح وعالم؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يجعل بابين للكعبة يمر الناس ويدخلون ويخرجون منها حتى يعلموا أن الكعبة داخلها وجوارها من جهة الأمر سواء.
ومن هنا تجد أن العلماء يرون أن الصلاة في أي جهة من جهات البيت واحدة، وإنما العبرة في ذلك بالدنو والقرب من الكعبة، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما صلى بجوفها وخشي عليه الصلاة والسلام أن يظن الناس أن هذا الفعل هو عبادة مقصودة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينما فتح مكة دخل الكعبة وصلى بها نهارًا، النبي عليه الصلاة والسلام، من ذلك الاحتجاب عن الناس، ومن ذلك أيضًا الانكسار والتواضع.
وفي هذا حكمة ولطيفة ربما أنتم تحتاجونها في مثل هذا البلد، وهو ليبيا بعد انتصار وتمكين يوجد هناك من سبقوا إليكم بالظلم والقتل والتشريد وسلب الأموال، وكذلك اختلاط كثير من الناس مثلًا بنظام سابق، أو غير ذلك وربما توجد حسابات قديمة، النبي صلى الله عليه وسلم أُخرج من أين؟ من مكة، وأوذي عليه الصلاة والسلام الأذى الشديد في مكة، ووقعوا عليه الصلاة والسلام في عرضه، وقاموا بإخراجه وطرده من بلده، ثم رجع النبي عليه الصلاة والسلام منتصرًا إليها، يقول عبد الله بن عمر عليه رضوان الله: أول ما دخل النبي عليه الصلاة والسلام الكعبة، فبقي فيها نهارًا يصلي لله. وجاء في الحديث عند ابن إسحاق: (أن النبي عليه الصلاة