هذا إشارة أيضًا إلى أنه ينبغي للإنسان ألا يتنازل عن الفاضلات إلى المفضولات نزولًا عند رغبات الناس وإجابة لهم؛ ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جامل أحدًا في باب العلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام منشغلًا بما هو أولى بالبيان، فما قال أجامل فلانًا؛ لأن رسالته أولى من غيره، وهذا السائل ما سأل النبي عليه الصلاة والسلام إلا وهو يرى عند نفسه أن سؤاله أولى بالجواب من استرسال النبي صلى الله عليه وسلم في ظاهر السير، وهو حسن المقصد في ذلك، لكن حسن المقصد لا يجعل النبي صلى الله عليه وسلم يدع ما هو عليه من الأمور الأولى في البيان، فانشغل النبي عليه الصلاة والسلام بالفاضل وترك المفضول، ثم استدرك ذلك المفضول وقام بأدائه عليه الصلاة والسلام.
ويقول هنا قال: (جاء أعرابي قال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث) ، في هذا أيضًا حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، فما عنف ذلك السائل مع كونه قد قاطع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما قال له: اسكت، أو دع، أو أنصت، أو غير ذلك، وإنما استرسل في حديثه وهو يدرك أن الاسترسال كافٍ في الانصراف عنه إلى حين وقته، ثم أجابه بعد ذلك تعليمًا له وتطييبًا لخاطره، وإبراء لذمته.
قال: (فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع) ، يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم ظهر منه التجاهل لهذا السؤال وانصرف إلى غيره، كذلك أيضًا ينبغي للسائل إذا سأل أحدًا ثم انصرف عنه أن يعذره ربما كان منصرفًا إلى أمر فاضل، ومثل هذا لا يعني احتقارًا ولا ازدراء، بل يعني أنه انشغل بشيء أولى من أمر البلاغ، وينبغي أيضًا للمتحدث أو للعالم أن يجيب السائل ولو بعد حين إبراء للذمة.
ثم هنا في سؤال الأعرابي عن أمر الساعة أجابه النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما المراد بالساعة هو يوم القيامة، وإنما سميت بالساعة باعتبار أنها تأتي في لحظة على الناس، والساعة تطلق على اللحظة، وتطلق على الساعة الزمنية كما هي معروفة في وقتنا، والعرب تقسم الساعات الليل والنهار إلى أربع وعشرين ساعة، وهذا أمر معلوم كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من جاء في الساعة الأولى) ، يعني: يوم الجمعة إلى آخر الخبر، فنقول حينئذ: إن تقسيم ساعات الليل والنهار هي اثنا عشر ساعة في النهار ومثلها في الليل، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أين أُراه السائلُ عن الساعة؟) يحتمل أن هذا الأعرابي قد غير مكانه، أو انتقل أو تحول أو نحو ذلك، ثم أجابه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة) ، والمراد بتضييع الأمانة: هو عدم أداء الواجب على من استحق التكليف، يعني: قام التكليف على الإنسان، ثم فرط في أداء الأمانة، وهذا يتوجه إلى الناس كلهم، إلى الحاكم، وإلى العالم، وإلى العامة، وتفريط الحاكم في الأمانة يكون فيما ولاه الله عز وجل من القيام بأمره سبحانه وتعالى، كذلك أيضًا في جانب الأموال، وذلك بتضييع الحاكم أموال الشعوب وتبذيرها والإسراف فيها والاستئثار بذلك، أيضًا العالم يكون بأمر البلاغ