فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 86

إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)].

في هذه الترجمة من البخاري رحمه الله استنباط لطيف، وهو ما يتعلق بأن الإنسان إذا سئل شيئًا وهو منشغل بغيره هذا من آداب الجواب ومن آداب السؤال، وفيه فوائد، وتقدم الإشارة إلى أن كتاب العلم إنما وضعه البخاري رحمه الله ليبين جملة من المسائل لمن ينظر في هذا الكتاب العظيم، وهو أصح الكتب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى، والأمة أطبقت واتفقت على قبول ما فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يكاد الإنسان يلتمس في هذا الكتاب شيئًا من الأحاديث الضعيفة فضلًا أن يكون دون ذلك مرتبة من المنكر والمردود أو الموضوع، وإنما مواضع الخلاف في ذلك هي في معرفة مواضع العلل غير القادحة في هذا الكتاب، كذلك أيضًا في بعض الألفاظ الواردة فيه التي هي موضع خلاف حقيقي عند العلماء في قبولها أو ردها؛ لأننا لو قلنا بقبوله كله لكان حكمًا في حكم المصحف من جهة دقة ألفاظه وتمامها، نقول: هو ليس كالمصحف باعتبار أن ثمة ألفاظ يسيرة هي موضع خلاف عند العلماء، وأما مجموع أحاديثه وألفاظه فهي محل قبول عند الأئمة.

في هذا الكتاب يذكر المصنف رحمه الله جملة من آداب العلم، آداب التلقي، آداب التعلم والمعرفة، هذا من الأمور المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يعرفها في حال السائل وفي حال المجيب، وفي حال المسئول عنه أيضًا وهي مواضع العلم، وفي هذا يظهر سنة النبي صلى الله عليه وسلم في التعليم، وهديه في الرحمة بالناس واللطف بهم.

وهنا أن هذا الرجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم سؤالًا، وكان منشغلًا بغيره، ففي هذا أن الإنسان لا يقدم المفضول على الفاضل ولو وجد داعٍ إليه، فالنبي صلى الله عليه وسلم سئل عن شيء وهو منشغل بغيره، فاستمر في حديثه ولم يجب ذلك السائل.

وفي هذا أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصًا على إجابة السائل؛ لأن كتمان العلم لا يجوز، والله جل وعلا إنما بعث أنبياءه لتعليم الناس وإرشادهم من غير سؤال، فكيف وقد حصل السؤال، ويروى في الخبر (أن من كتم علمًا ألجم بلجام من نار يوم القيامة) ؛ لهذا كان الأنبياء أعلى الناس مرتبة في باب البلاغ، وأخشاهم لله سبحانه وتعالى في هذا الأمر بإبراء الذمة في تعليم الناس؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما موضع في أمر البلاغ يقول: (اللهم بلغت، اللهم فاشهد) ، يعني: إبراء للذمة بالبلاغ.

ولم يفوت النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا سؤال السائل مع انشغاله بالفاضل عن المفضول، أي: أن الإنسان إذا وجد لديه فاضل ومفضول وأمكنه الجمع بينهما فإنه يأتي بهما، فسئل النبي عليه الصلاة والسلام وهو منشغل بفاضل، سأله سائل سؤالًا مفضولًا عند النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان يراه أنه هو الفاضل، في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت