كلها؛ ولهذا تجد المرأة المؤمنة تكره أن يتزوج عليها زوجها، وإذا أريد منها أن تخطب لرجل متزوج ذهبت تخطب؛ لأنه ليس عليها، إذًا: لا تكره الشريعة في ذاتها إنما تكره على نفسها؛ ولهذا نقول: هذا الشيء الفطري الذي في ذات الإنسان لا يؤاخذ عليه ما لم يفصح عنه أنه يكره ذلك التشريع.
ولهذا نقول: إن اليسر هو الذي أراده الله سبحانه وتعالى، كذلك أيضًا من مفاهيم اليسر في الشريعة هو التدرج في إفهام الناس للشريعة، تأتيهم بشيء يسير حتى يتدرجوا في ذلك؛ لهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له عليه الصلاة والسلام: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه) ماذا؟ (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة) ، هل جاء بها على سبيل الإجمال أم جاء بها على التدرج؟ ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام قال: (فليكن ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) ، جاء في رواية البخاري في كتاب التوحيد: (إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أجابوك لذلك) ، يعني: لا تعطيهم الثاني حتى تنظر ماذا يفعلون، يعني: لا تكثر عليهم، وإنما تعال على التدرج، فهذا التدرج من أمور التيسير للناس؛ ولهذا يقول عمر بن عبد العزيز: إنك ما علمت الناس الإسلام جملة إلا تركوه جملة.
فلا تأتِ إلى شخص ملحد لا يعرف دين الله عز وجل ثم تقول: يجب عليك أن تصلي الصلوات الخمس، والسنن الرواتب اثني عشر، وقيام الليل إحدى عشر، وتصوم شهرًا كاملًا ولا تأكل من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وأخرج من مالك اثنين ونصف بالمائة كل سنة، وعليك الجهاد في سبيل الله، وتعطيه من الأحكام الشريعة، ألا ينقبض؟ ينقبض.
لكن ما لا يقبل التدرج في هذا ما هو؟ التوحيد، فالتوحيد لا يقبل التدرج، (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) ؛ ولهذا جاء رجل للنبي عليه الصلاة والسلام فقال: (يا رسول الله إني أريد أن أسلم، قال: أسلم ما الذي يمنعك. قال: إني أجدني كارهًا) ، هل قال نصف التوحيد؟ أم قال: (أسلم ولو كنت كارهًا) ؟ لهذا نقول: إن التوحيد لا يقبل التجزئة، لا بد أن يأتي به الإنسان كاملًا، وباب التوحيد ليس فيه يسر؛ لأنه هو يسر في ذاته، ليس فيه يسر نفسي وعاطفي، وليس فيه تدرج في ذلك؛ ولهذا نقول: قد يعيش الإنسان في الضلال ويظن أنه استأنس بذلك، وهو على ضلالة أوليس على ضلال؟ على ضلال لذا ينبغي أن ترحمه وأن ترأف به حتى يأتي إلى الحق شيئًا فشيئًا، لكن هل يعني أن الإنسان إذا استأنس وارتاح إليه أنه حق؟ لا يلزم هذا، وهل نفرة الإنسان من شيء يدل على أنه باطل؟ لا، لا يلزم هذا، الإنسان إذا كان في حجرة مظلمة شهر ألا يتألم من النور أو لا يتألم منه؟ يتألم من النور وينفر منه، هل يعني أن الظلام خير من النور؟ لا، لكن نقول: تأخذ بيده شيئًا فشيئًا اخرج معي، كذلك القلوب حين تخرج من ظلم الشرك وظلم الجاهلية تجد قبولًا منه ونفرة من نور الحق؛ لهذا القلوب يرد لديها الأنس من الظلمة، والوحشة من النور، فينبغي للإنسان أن يرأف بأولئك الخلق؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أسلم ولو كنت كارهًا) ، يعني: