القول الثاني: لا يجوز حذف شيء من الحديث مطلقًا. به قال أكثر من لا يرون جواز يقبل الحديث بالمعنى [1] ? واستدلوا على قولهم: بأن ذلك قطع للخبر وبتر له وتغيير يؤدي إلى إحالة معناه، ويجوز أن يكون الراوي يعتقد في أن المتروك لا يخل بالمعنى لمذهب له في ذلك وغيره يستفيد من تلك الزيادة المتروك نقلها خلاف ما ذهب إليه.
وقد أجيب عليه: أن هذا غلط، لأنه إن جوز ذلك أو كان مما فيه متعلق لم يجز ذلك، وإنما يجوز فيما لا متعلق له، ولا إخلال في تركه بمعناه. [2] ?
القول الثالث: يجوز حذف شيء من الحديث بشرط أن يكون الباقي مستقلًا بمفهوم الحكم كقوله - صلى الله عليه وسلم - في ماء البحر: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته [3] ?، فيجوز له رواية أحد الأمرين إلا أن يتعين عليه المعنيين للإبلاغ عند الحاجة.
فإن كان الباقي لا يفهم معناه فلا يجوز، وعليه أن يستوفي الحديث لتتم فائدته كقوله - صلى الله عليه وسلم - في الأضحية لمن قال له: ليس عندي إلا جذعة من المعز فقال - صلى الله عليه وسلم: (تجزئك ولا تجزئ أحدًا من بعدك [4] ?، فلو روى أنه قال: يجزئك، لفهم أنه يجزئ عن جميع الناس، فلا يجوز حينئذ تركه، وبه قال الماوردي [5] ?، وإليه ذهب أكثر أهل الحديث. [6] ?
(1) ? البحر المحيط:4/ 362؛ البرهان: 1/ 422؛ المستصفى: 1/ 268؛ العدة: 2/ 162 - 163.
(2) ? إحكام الفصول: ص314؛ تيسير التحرير: 3/ 75.
(3) ? رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، رقم (81) ؛ والترمذي، كتاب الطهارو، رقم (69) وقال حديث حسن صحيح.
(4) ? رواه البخاري: فتح الباري: 10/ 15؛ ومسلم بشرح النووي: 13/ 119.
(5) ? البحر المحيط: 4/ 363؛ البرهان:1/ 422.
(6) ? ينظر: تدريب الراوي: 2/ 104؛ علوم الحديث لابن الصلاح: ص212؛ الكفاية للخطيب: ص19. وقال بعضهم: إذا نقل الراوي أو غيره الخبر بتمامه جاز أن ينقل البعض، وإن لم ينقل ذلك لا هو ولا غيره لم يجز. القول الرابع: وذهب بعض آخر إلى أن الحديث إن كان مشهورًا بتمامه جاز نقل بعضه، وإلا فلا يجوز.
وقال آخرون إن كان الحديث لا يعلم إلا من جهة الراوي، فإن تعلق به حكم لم يجز أن يترك منه شيئًا، وإن لم يتعلق به حكم نظر: فإن كان الناقل فقيهًا جاز له ذلك وإن كان غير فقيه امتنع. البحر المحيط: 4/ 362؛ شرح الكوكب المنير: 2/ 656، والغزالي قيده بأن لا يتطرق إلى الراوي التهمة المستصفى: 1/ 168.