وأجيب عليه: بأنه يترك مذهبه للنص الذي يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فأما تركه للعموم فأنه إذا قال قولًا فهو عن دليل إما نص أو قياس، أو عموم، والنص والقياس يخصص بهما العموم، والعموم إذا عارضه العموم لم يترك به بل يعدل إلى الترجيح. [1]
ثانيًا: واستدلوا بأن ظاهر العموم حجة يجب الأخذ بها باتفاق القائلين بالعموم ومذهب الصحابي ليس بحجة، فلا يجوز ترك العموم به، وإذا روى حديث فإن روايته حجة فلا يجوز تخصيص ما هو حجة بما هو ليس بحجة [2] .
ثالثًا: مخالفة الراوي للحديث يحتمل ثلاثة أمور: الأول أن الراوي يعرف بالضرورة أنه - صلى الله عليه وسلم - أراد بذلك العام الخاص. إما لخبر قاطع يقتضي ذلك، أو لشيء من قرائن الأحوال، وهذا الاحتمال يعارضه أنه لو كان كذلك، لوجب على الرواي أن يبين ذلك ولا يكتمه.
الثاني: فهو أن يقال: إن الراوي ترك العموم لمجرد الهوى، وهو مردود بعدالة الصحابة - رضي الله عنهم -.
الثالث: يحتمل أنه خالف العموم بدليل ظنه أقوى منه: إما خبر محتمل أو قياس وذلك الظن يحتمل أن يكون خطأ، ويحتمل أن يكون صوابًا، وإذا تعارضت الاحتمالات، وجب تساقطها ويعدل إلى العموم. [3]
القول الثاني: يجوز تخصيص العموم يقول الصحابي، وبه قال أكثر الحنفية [4] ، وبعض المالكية [5] والشافعية [6] وأكثر الحنابلة [7] وابن حزم من الظاهرية [8] .
(1) التمهيد: 2/ 120.
(2) ينظر: قواطع الادلة: 1/ 189؛ الأحكام للآمدي: 2/ 533.
(3) المحصول: 1/ 450.
(4) مثل ابن عبد الشكور حيث قال: فعل الصحابي العام مخصص عند الحنفية والحنابلة، خلافًا للشافعية والمالكية؛ فواتح الرحموت بشرح مسلم النيوت: 1/ 355؛ تيسير التحرير: 1/ 326.
(5) نقله عن المالكية ابن قاضي الجيل في شرح الكوكب: 3/ 375. وهو نقل لما عرف من فقهاء المالكية.
(6) ينظر البحر المحيط: 3/ 398؛ الإيهاج: 2/ 192.
(7) ينظر العدة: 1/ 363؛ شرح الكوكب: 3/ 375؛ التمهيد: 2/ 119؛ المدخل: ص124.
(8) الأحكام لابن حزم: مج2/ 300؛ شرح الكوكب المنير: 3/ 376.