ومما أجاب به الشيخ محمد بن إبراهيم عن مسألة تحجير الرجل ابنة عمه (أي منعها) عن أن تتزوج من شاءت، لرغبته هو أو أحد قرابته بالاستئثار بها، قال"نفيد أن هذا التحجير أمر لا يجوز، ولا يجيزه الشرع، والإسلام بريء منه، والسنة النبوية مستفيضة بالنهي عن ذلك، والنكاح على هذا الوجه غير صحيح ولا يعترف به، إذ التحجير من أكبر أنواع الظلم والجور، ومن يصر على تحجير الأنثى الضعيفة ويريد أن يقهرها ويتزوجها وهي غير راضية به، هو بحاجة للرادع السلطاني إذا لم يرتدع بالوازع القرآني"ا هـ. [10/ 83] .
قلت: وللشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله كلام نفيس في حكم إجبار البكر البالغة، حيث ذهب إلى عدم جوازه، بل حتى البكر الصغيرة، وهذا نص كلامه أسوقه باختصار من كتاب الشرح الممتع على زاد المستقنع [12/ 54 - 60] . قال رحمه الله"... فإذا قال لها أبوها: أنا أريد أن أزوجك فلانًا، فقالت: لا، أنا ما أريد فلانًا صراحة، يقول: أزوجك ولا أبالي، ويغصبها غصبًا، ولو كانت لاتريده، لأنها بكر ولو كانت بالغة عاقلة ذكية، تعرف ما ينفعها وما يضرها، وعقلها أكبر من عقل أبيها ألف مرة، ودليلهم أن عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما زوجها أبوها النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهي بنت ست، وبنى بها الرسول صلى الله عليه وسلم وهي بنت تسع سنين."
فنقول لهم: هذا دليل صحيح ثابت، لكن استدلالكم به غير صحيح، فهل علمتم أن أبا بكر رضي الله عنه استأذن عائشة رضي الله عنها وأبت؟
الجواب: ما علمنا ذلك، بل إننا نعلم علم اليقين أن عائشة رضي الله عنها لو استأذنها أبوها لم تمتنع .."إلى أن قال"ثم نقول: نحن نوافقكم إذا جئتم بمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثل عائشة رضي الله عنها، وهل يمكن أن يأتوا بذلك؟ لا يمكن.
إذن نقول: سبحان الله العظيم، كيف نأخذ بهذا الدليل الذي ليس بدليل؟ وعندنا دليل من القرآن قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا} [النساء 19] .
وكانوا في الجاهلية إذا مات الرجل عن امرأة، تزوجها ابن عمه غصبًا عليها، ودليل صريح صحيح من السنة، وهو عموم قوله عليه الصلاة والسلام"لا تنكح البكر حتى تستأذن"، وخصوص قوله"والبكر يستأذنها أبوها".
فإذا قلنا لأبيها أن يجبرها، صار الاستئذان لا فائدة منه ..."."
إلى أن قال"وأما النظر: فإذا كان الأب لا يملك أن يبيع خاتمًا من حديد لابنته بغير رضاها، فكيف يجبرها أن تبيع خاتم نفسها؟ هذا من باب أولى ...".
ثم تطرق لتزويج الصغيرة، فقال"أي فائدة للصغيرة في النكاح؟ وهل هذا إلا تصرف في بضعها على وجه لا تدري ما معناه؟ لننتظر حتى تعرف مصالح النكاح وتعرف المراد بالنكاح ثم بعد ذلك نزوجها، فالمصلحة مصلحتها."
إذًا القول الراجح: أن البكر المكلفة لابد من رضاها، وأما غير المكلفة وهي التي تم لها تسع سنين، فهل يشترط رضاها أو لا؟ الصحيح أيضًا: أنه يشترط رضاها، لأن بنت تسع سنين بدأت تتحرك شهوتها وتحس بالنكاح، فلابد من إذنها، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو الحق.
وأما من دون تسع سنين، فهل يعتبر إذنها؟ يقولون: من دون تسع سنين ليس لها إذن معتبر، لأنها ما تعرف عن النكاح شيئًا، وقد تأذن وهي تدري، أو لا تأذن، لأنها لا تدري، فليس لها إذن معتبر، ولكن هل يجوز لأبيها أن يزوجها في هذه الحال؟ نقول: الأصل عدم الجواز، لقول النبي عليه الصلاة والسلام"لا تنكح البكر حتى تستأذن". وهذه بكر فلا نزوجها حتى تبلغ السن الذي تكون فيه أهلًا للاستئذان، ثم تستأذن.
لكن ذكر بعض العلماء الإجماع على أن له أن يزوجها، مستدلين بحديث عائشة رضي الله عنها، وقد ذكرنا الفرق.
وقال ابن شبرمة من الفقهاء المعروفين: لا يجوز أن يزوج الصغيرة التي لم تبلغ أبدًا، لأننا إن قلنا بشرط الرضا، فرضاها غير معتبر، ولا نقول بالإجبار في البالغة، فهذه من باب أولى.
وهذا القول هو الصواب، أن الأب لا يزوج بنته حتى تبلغ، وإذا بلغت فلا يزوجها حتى ترضى ...."."
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)