وبيَّن رحمه الله أن من تبعات الخلاف المحرّم أن يخفى عنهم العلم بما يوجب الرخصة، فكما أن الله تعالى حرّم على بني إسرائيل طيبات أحلت لهم لأجل ظلمهم وبغيهم، وشريعة محمد e لا تُنسخ، لكنهم يعاقبون بتحريم ما هو طيب حلال لخفاء تحليل الله ورسوله عندهم، كما فعل ذلك كثير من الأمة اعتقدوا تحريم أشياء فروج عليهم بما يقعون فيه من الأيْمان والطلاق، واعتقدوا تحريم كثير من المعاملات التي يحتاجون إليها كضمان البساتين، والمشاركات، فصارت محرمة عليهم تحريمًا كونيًا، وتحريمًا شرعيًا في ظاهر الأمر ( [31] ( http://www.fiqhforum.com/articles.aspx?cid=2&acid=147&aid=530#_edn31 ) ) .
وشرور الخلاف لا تنقضي، وشرُّها إذا استحال إلى تعصب للمذاهب والآراء بالباطل، واتباعٍ للظن وما تهوى الأنفس. وما يتبع ذلك من تباغض وتدابر، بل وتلاعن. وإذا أنعمت النظر وجدت أن أكثر هذه المسائل المتنازع فيها هي من الفروع الخفية التي يسوغ فيها الخلاف، وأغلب هؤلاء المتعصبين إنما قامت عصبيتهم على الانتصار للنفس والهوى لا الانتصار للحق، وهذا أمر خفي دقيق يتسلل إلى القلوب والنفوس، لذلك نبّه عليه ابن رجب فقال:"ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين، وكثر تفرقهم، كثر بسبب ذلك تباغضهم وتلاعنهم، وكل منهم يظهر أنه يبغض لله، وقد يكون في نفس الأمر معذورًا، وقد لا يكون معذورًا، بل يكون متبعًا لهواه مقصرًا في البحث عن معرفة ما يبغض عليه، فإن كثيرًا من البغض إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه لا يقول إلا الحق، وهذا الظن خطأ قطعًا، وإن أريد أنه لا يقول إلا الحق فيما خولف فيه. وهذا الظن قد يخطئ ويصيب. وقد يكون الحامل على الميل إليه مجرّد الهوى والألفة، أو العبادة، وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البغض لله. فالواجب على المؤمن أن ينصح لنفسه، ويتحرز في هذا غاية التحرز. وما أشكل منه فلا يدخل نفسه فيه خشية أن يقع فيما نهى عنه من البغض المحرّم. وههنا أمر خفي ينبغي التفطن له، وهو أن كثيرًا من أئمة الدين قد يقول قولًا مرجوحًا، ويكون مجتهدًا فيه مأجورًا على اجتهاده فيه. موضوعًا عنه خطؤه فيه، ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة، لأنه قد لا ينتصر لهذا القول إلا لكون متبوعه قد قاله، بحيث لو أنه قد قاله غيره من أئمة الدين لما قبله، ولا انتصر له، ولا والى من يوافقه، ولا عادى من يخالفه، ولا هو مع هذا يظن أنه إنما انتصر للحق بمنزلة متبوعه. وليس كذلك، فإن متبوعه إنما كان قصده الانتصار للحق، وإن أخطأ في اجتهاده. وأما هذا التابع فقد شاب انتصاره لما يظنه أنه الحق، إرادة علو متبوعه، وظهور كلمته، وأنه لا ينسب إلى الخطأ، وهذه دسيسة تقدح في قصده الانتصار للحق، فافهم هذا فإنه مهم عظيم" ( [32] ( http://www.fiqhforum.com/articles.aspx?cid=2&acid=147&aid=530#_edn32 ) ) .
وحسبنا شرًا ما رُزئت به هذه الأمة من تبعات الخلاف حين حُرمت الكتاب الذي أراد النبي e كتابته لها، حتى صار ابن عباس رضي الله عنهما يتحسر ويقول:"إن الرزية كل الرزية ما حال بين النبي e وبين كتابه"وذلك:"لما اشتد بالنبي e وجعه فقال: ائتوني بكتاب، أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده أبدًا. فقال عمر: إن النبي e غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا، وكثر اللغط قال: قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع" ( [33] ( http://www.fiqhforum.com/articles.aspx?cid=2&acid=147&aid=530#_edn33 ) ) .
المبحث الثالث
فضل معرفة علم ما يختلف فيه
رُوي عن طائفة من السلف آثار في فضل تعلّم علم الخلاف، فمن ذلك
ما رواه أحمد رحمه الله عن سعيد بن جبير ( [34] ( http://www.fiqhforum.com/articles.aspx?cid=2&acid=147&aid=530#_edn34 ) ) أنه قال:"من عَلِمَ اختلاف الناس فقد فقه"وعن قتادة ( [35] ( http://www.fiqhforum.com/articles.aspx?cid=2&acid=147&aid=530#_edn35 ) ) قال:"قال سعيد بن المسيّب ( [36] ( http://www.fiqhforum.com/articles.aspx?cid=2&acid=147&aid=530#_edn36 ) ): ما رأينا أحدًا أسأل عما يختلف فيه منك، قلت: إنما يسأل من يعقل عما يختلف فيه فأما ما لا يختلف فيه فلم نسأل عنه" ( [37] ( http://www.fiqhforum.com/articles.aspx?cid=2&acid=147&aid=530#_edn37 ) ) ، وغيرها من الآثار، فملكة الفقه لا تتأتَّى إلا بالارتياض في معرفة أقوال
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)