وقال:"صار كثير من مقلدة الفقهاء يفتي قريبه، أو صديقه بما لا يفتى به غيره من الأقوال اتباعًا لغرضه وشهوته ولقد وجد هذا في الأزمنة السالفة فضلًا عن زماننا، كما وجد فيه تتبع رخص المذاهب اتباعًا لشهوته" ( [6] ( http://www.fiqhforum.com/articles.aspx?cid=2&acid=147&aid=530#_edn6 ) ) .
ورحم الله الشاطبي فما زاد على ما نشاهده في أيامنا هذه قلامة ظفر.
والإشكال الذي كنت أقف أمامه حائرًا متعجبًا، أن ما نقلوه عن بعض الأئمة من أنه لا إنكار في مسائل المجتهدات، وأن الخلاف خير ورحمة، هو صحيح وثابت، ثم أجد ما يناقضه مسطورًا في كتبهم، فيفتون بجلد شارب النبيذ متأولًا أو مقلدًا، ويزجرون من لا يتم ركوعه وسجوده، وينكرون على من يلعب الشطرنج وغيرها من مسائل الخلاف التي تتفاوت درجات الإنكار فيها بين الوعظ والتعزير. ولكن سرعان ما أعزو هذا العجب إلى قلَّة فهمي ومعرفتي بكلام الأئمة. ومضى على ذلك دهر، حتى وقفت على نصٍ لإمام من أئمة الحنابلة هو ابن مفلح ( [7] ( http://www.fiqhforum.com/articles.aspx?cid=2&acid=147&aid=530#_edn7 ) ) - رحمه الله - يعجب مما عجبت منه فقال:
"ولا إنكار فيما يسوغ فيه خلاف من الفروع على من اجتهد فيه، أو قلَّد مجتهدًا فيه، كذا ذكره القاضي ( [8] ( http://www.fiqhforum.com/articles.aspx?cid=2&acid=147&aid=530#_edn8 ) ) والأصحاب، وصرّحوا بأنه لا يجوز. ومثلّوه بشرب يسير النبيذ، والتزوج بغير ولي، ومثلّه بعضهم بأكل متروك التسمية، وهذا الكلام منهم مع قولهم يحدّ شارب النبيذ متأولًا ومقلدًا أعجب، لأن الإنكار يكون وعظًا وأمرًا ونهيًا وتعزيرًا وتأديبًا، وغايته الحدُّ، فكيف يحدُّ ولا ينكر عليه؟ أم كيف يفسق على رواية، ولا ينكر على فاسق" ( [9] ( http://www.fiqhforum.com/articles.aspx?cid=2&acid=147&aid=530#_edn9 ) ) .
إذن هو تناقض وقع فيه بعض أتباع الأئمة، ومقلدة المذاهب، فعلمت يومئذ أن العمل بمسائل الخلاف ليس على إطلاقه، وما يردده كثير من أهل العلم من أنه لا إنكار في المجتهدات ليس بصحيح، فالمسألة لها ضوابط وآداب، يجب أن تراعى عند الترخص بها، لذلك تجد المحققين من أهل العلم كابن تيمية ( [10] ( http://www.fiqhforum.com/articles.aspx?cid=2&acid=147&aid=530#_edn10 ) ) وابن رجب ( [11] ( http://www.fiqhforum.com/articles.aspx?cid=2&acid=147&aid=530#_edn11 ) ) وغيرهما يفرقون بين الاجتهاد والتقليد، المقبول منه والمردود بكونه:"سائغًا"، وهي كلمة مجملة، يعنون بها الاجتهاد أو التقليد الملجوم بضوابط الشرع وآدابه.
وفي هذا البحث حاولت - مستعينًا بالله - جمع أقوال العلماء في مسألة الترخص بمسائل الخلاف، توسطت فيه بين أقوال المنكرين على جواز الترخص مطلقًا، وبين أقوال المفرِّطين المتساهلين الذين يأخذون المسألة على إطلاقها، فجمعت هذه الضوابط من كلام العلماء - لاسيما المحققين منهم - على اختلاف مذاهبهم، وذكرت بعض الآداب التي يجب على المفتي مراعاتها، خاصة في هذا الزمن، الذي أصبح فيه العالم قرية صغيرة، فالفتوى التي تصدر في مكة مثلًا أو في القاهرة، لا تلبث ساعات، بل دقائق، حتى يعلم بها، كل مَن في أرجاء هذه المعمورة، وما تهيجه من شرٍّ وفتنة إذا لم تكن مضبوطة بضوابط الشرع. وسطّرت في هذه الصحف بعض المباحث التي لها صلة بهذه المسألة، فبيّنت أسباب اختلاف العلماء، والخلاف هل هو رحمة أم لا؟ ثم دفعت ما ظُنَّ أنه تناقض في كلام أسلافنا من الأئمة، وذكرت الأصل الذي تفرعت منه هذه المسألة مبينًا صحة هذا الأصل أو سقمه.
هذا والله تعالى أسأله أن يغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، إنه سميع مجيب.
المبحث الأول
الخلاف: أسبابه، وبيان أنه من السنن الكونية
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)