وقال أبو بكر الرازي: (قرأ ابن عباس(رضي الله عنه) والحسن وعكرمة وحمزة وابن كثير: * (وأرجلكم) * - بالخفض - وتأولوها على المسح) (1) . والحاصل: أنا قد رأينا الوضوء الذي علمه جبريل للنبي (صلى الله عليه وآله) في أول البعثة من أنه فتح عينا من الماء، فتوضأ، فغسل وجهه ويديه إلى المرفين، ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين. ورأينا رواية رفاعة بن رافع لقول النبي (صلى الله عليه وآله) في المدينة: لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين. ورأينا أن الكتاب المنزل من الله عز وجل في أواخر ما نزل من آياته قد أقر ذلك بقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) * وبين الرسول (صلى الله عليه وآله) حد المسح على الرأس بمسح مقدمه كما رواه أنس بن مالك وجابر بن عبد الله والمغيرة بن شعبة وغيرهم. وبين حد المسح على الأرجل بمسح ظهورها كما رواه أمير المؤمنين (عليه السلام) وعثمان بن عفان وعبد الله بن عباس (رضي الله عنه) وغيرهم. ثم رأينا أن ذلك حكي عن جمع من الصحابة بعد عهد الرسالة. وفي مقابل كل ذلك رأيتم الوضوء الاموي وما ادعوه من أن النبي (صلى الله عليه وآله) غسل قدميه في الوضوء كما روي عن ربيع بنت معوذ وعثمان بن عفان وعبد الله بن زيد وغيرهم. وما رووه من أنه (صلى الله عليه وآله) قال:"ويل للأعقاب من النار"، كما روي عن عائشة وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وغيرهم. كما رأيتم أنه يمكن حمل أخبار الغسل على التنظف والتبرد ولا يمكن حمل أخبار المسح إلا على التشريع. هذا، مضافا إلى عدم وضوح أخبار:"ويل للأعقاب"في الدلالة على المدعى كما تقدم من أكابر القوم.
(1) أحكام القرآن (الجصاص) 2: 345.
وقد اتضح أنه لا توجد علة سياسية ولا اجتماعية موجبة للنسخ وإن كان وجود حكمة إلهية مخفية مقتضية له بمكان من الإمكان، إلا أننا لم نجد ما يدل على النسخ إلا السياط الأموية والأسياف الحجاجية. فليس لنا إلا أن نقول كما قال الله تبارك وتعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم) * أي بمقدمها كما فعل النبي (صلى الله عليه وآله) * (وأرجلكم إلى الكعبين) * بمسح ظهورهما إلى ذلك الحد كما فعل النبي (صلى الله عليه وآله) . وهذا هو وضوء من لم يحدث في دينه كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) .
إدعاءات الآلوسي قال مرجع أهل العراق السيد محمود الآلوسي: (ولا يخفى أن بحث الغسل والمسح مما كثر فيه الخصام، وطالما زلت فيه الأقدام، وما ذكره الإمام -(يعني: الفخر الرازي) - يدل على أنه راجل في هذا الميدان، وضالع لا يستطيع العروج إلى شأو ضليع تحقيق تبتهج به الخواطر والأذهان). ثم أراد المحقق البغدادي أن ينتصر لمذهبه بلسان خصمه فنقل أربع روايات من كتب الشيعة تدل على الغسل: الاولى: روى العياشي عن علي عن أبي حمزة قال: سألت أبا هريرة عن القدمين، فقال: (تغسلان غسلا) . نسأل هذا المحقق: إذا روى الشيعة عن أبي هريرة خبرا في كتبهم فهل يدل على اعتمادهم عليه؟. الثانية: روى محمد بن النعمان عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:"إذا نسيت مسح رأسك حتى غسلت رجليك فامسح رأسك ثم اغسل رجليك". ثم قال المحقق البغدادي: (ولا تقية هنا، لأن المخاطب بذلك شيعي) . وليت شعري هل كان استعمال التقية من الأئمة (عليهم السلام) وشيعتهم عندما كان مخاطبوهم من غيرهم فقط، أم لم يتفكر الآلوسي في إمكان وجود أتباع السلطة في المجلس فاضطر الإمام (عليه السلام) كي ينبه شيعته على الوضع، ومن بينهم أبو بصير؟. هذا على فرض ثبوت الخبر، مع أن راوي الخبر - وهو أبو بصير - مشترك بين الثقة وغيره، وفي سنده: (الحسين بن سعيد عن فضالة) . قال الحسين بن محمد السورائي: كل شئ تراه: الحسين بن سعيد عن فضالة،
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)