بل إن ترك السُّنة وتنكُّب الصراط المستقيم في العقائد والشرائع يوقع تفرقًا وتشرذمًا، ومتى آمنوا بالكتاب كله واعتصموا بالسُّنة تحقق الاجتماع والوئام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذا التفريق الذي حصل من الأمة: علمائها ومشائخها، وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله، كما قال - تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} [المائدة: 41] فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرّق القوم هلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب، وجِماع ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. » [2] .
وقال أيضًا: «متى تركوا الاعتصام بالكتاب والسُّنة فلا بد أن يختلفوا؛ فإن الناس لا يفصل بينهم إلا كتاب منزَّل من السماء، كما قال - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ 201} وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: 201 - 301] » [3] .
وقال في موضع ثالث: «أَتْبَعُ الناس للرسول أقلُّ اختلافًا من جميع الطوائف المنتسبة للسُّنة، وكل من قَرُبَ للسنة كان أقل اختلافًا ممن بَعُد عنها، كالمعتزلة والرافضة، فنجدهم أكثر الطوائف اختلافًا» [4] .
والمقصود أن موجبِ الاجتماع هو الاعتصام بالكتاب والسُّنة ولزوم الشرع المنزَّل، وأما الاجتماع على إهدار أصول مذهب السلف في المسائل والدلائل، فليس مشروعًا، بل هو إجماع هش على جرفٍ هار سرعان ما يعتريه التعثر والسقوط.
ومع تأكيد أهل السُّنة على لزوم السُّنة النبوية واتِّباعها، إلا أنهم يرحمون الخلق، كما يعلمون الحق، حتى إن أهل السُّنة لكل طائفة ومن أهل البدع خير من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض [5] .
وكان ابن تيمية يقول: «والناس يعلمون أنه كان بين الحنبلية والأشعرية وحشة ومنافرة، وأنا كنت من أعظم الناس تأليفًا لقلوب المسلمين، وطلبًا لاتفاق كلمتهم، واتباعًا لما أُمرنا به من الاعتصام بحبل الله، وأزلت عامة ما كان في النفوس من الوحشة .. » [6] .
وإذا انتقلنا إلى مفارقة الأشاعرة للسُّنة، ومجانبتهم سبيل الشرع والعقل والفطرة، فإن هذه المفارقة في قضايا رئيسة وعديدة، ومبسوطة في مواضعها، وقد أجاد الشيخ سفر الحوالي - شفاه الله وعافاه - في تحرير ذلك، بأسلوب بليغ، وتقرير متين، كما في رسالته «منهج الأشاعرة في العقيدة» [7] .
ومن هذه المفارقات أن السُّنة تُقرر أن أول واجب هو توحيد الله - عز وجل - وعبادته وحده كما في حديث معاذ مرفوعًا «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» أخرجه البخاري ومسلم، وأما أول واجب عند الأشاعرة؛ فهو النظر أو القصد إلى النظر [8] .
ودلالة القرآن لا تفيد اليقين، كذا وخبر الآحاد لا يفيد العلم عند جمهور الأشاعرة [9] !
فإن كان القرآن - وهو الهدى والنور والرحمة والشفاء - لا يُحقق بَرْدَ اليقين، ولا يحصل بالسُّنة العلم والرسوخ .. أفيظن أن العلم واليقين متحقق بفلسفة اليونان الوثنية أو زندقة المعتزلة الكلامية؟
ولذا حلّ بالقوم الوحشة والقلق، والحَيرة والشكوك؛ فالآمدي حائر واقف في المسائل الكبار، والرازي يستوحش من روحه التي بين جنبيه! وتلميذه الخسروشاهي يبكي قائلًا: والله ما أدري ما أعتقد .. (قالها ثلاثًا!) [10] .
وافتعل الأشاعرة تعارضًا بين النقل والعقل، كما في «القانون الكلي» للرازي وسَلفه، فقدموا ما ظنوه معقولًا - وهو في الحقيقة وهمٌ ومجهول - على نصوص الوحيين، وأعملوا التأويل الفاسد في المنقولات [11] ، أو سلكوا سبيل التجهيل والتفويض والتضليل! بدعوى التوفيق والتلفيق بين النقل والعقل!
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)