ـ [عبدالعزيز الداخل] ــــــــ [14 - 02 - 08, 08:52 م] ـ
إيضاحُ هذا المنهج يستدعي أسْفَارًا؛ وحَسْبُكَ في هذا المقامِ مثالٌ مُخْتَصَرٌ في بابٍ واحدٍ تستجلِي فيهِ هذهِ الحقيقةَ، وتقيسُ عليهِ بقِيَّةَ الأبوابِ:
فمِمَّا حدثَ فيهِ الاختلافُ: أفعالُ العبادِ وما يترتَّبُ عليهَا:
فالقَدَرِيَّةُ يقولونَ: إنَّ العبدَ خالقٌ فعلَ نفسِهِ، وهوَ الذي يجعلُ نفسَهُ مهتديًا أوْ ضالاًّ، ويجبُ على اللَّهِ ـ تعالى اللَّهُ عمَّا يقولونَ ـ أنْ يُثِيبَ العبدَ إذا أطاعَهُ كما يُثَابُ الأجيرُ، وأنْ يُخْلِدَهُ في النارِ إذا ارتكبَ كبيرةً من الكبائرِ.
والجَبْرِيَّةُ يقولونَ: إنَّ العبدَ مجبورٌ على فعلِهِ؛ ليسَ لهُ مشيئةٌ ولا اختيارٌ؛ كالسِّكِّينِ في يدِ القاطِعِ. وغُلاتُهُمْ يقولونَ: كالرِّيشَةِ في مهبِّ الريحِ. ويجوزُ على اللَّهِ أنْ يُعَذِّبَ المؤمنَ الطائعَ بأشدِّ العذابِ ويُخْلِدَهُ في النارِ بغيرِ جُرْمٍ ارتكَبَهُ ولوْ قضى عُمُرَهُ كلَّهُ في طاعةِ اللَّهِ؛ كما يجوزُ عليهِ أنْ يُثِيبَ الكافرَ المُعَانِدَ بأعظمِ أنواعِ الثوابِ.
وكلا الطائفتَيْنِ جاهلتانِ باللَّهِ تعالى جهلًا عظيمًا، لمْ تعْرِفَاهُ المعرفةَ الحقَّ التي تُنْجِي من الضلالَةِ، وتُنَالُ بها السعادةُ.
فأَمَّا ضَلالُ القَدَرِيَّةِ فمنْشَؤُهُ الجهلُ بعمومِ خلقِ اللَّهِ تعالى للأشياءِ، ونفوذِ مشيئتِهِ، وعمومِ تصرُّفِهِ الذي هوَ مقتضى مُلْكِهِ؛ فهوَ الذي يخلقُ ويرزُقُ، ويُعَافِي ويبتَلِي، ويهدي ويُثِيبُ فضلًا، ويُضِلُّ ويُعاقبُ عدْلًا، ويَخْفِضُ ويرفَعُ، ويُعطِي ويمنَعُ، ويَصِلُ ويقطَعُ، ويقبضُ ويبسُطُ، ويفعلُ ما يريدُ.
فإذا علِمَ العبدُ معنى اسمِ (( الخالِقِ ) )واسمِ (( المالِكِ ) )و (( العليمِ ) )و (( القديرِ ) )و (( المُعْطِي المانِعِ ) )، ونحْوِها من الأسماءِ التي تدلُّ على عمومِ تصرُّفِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ في خلقِهِ، وتأمَّلَ آثارَها ولوازِمَها وفَقِهَ ذلكَ حقَّ الفقْهِ: تبيَّنَ لهُ ضلالُ القدَرِيَّةِ في هذا البابِ، وأنكرَ قلْبُهُ ما سَطَّرُوهُ، ولمْ يَغُرَّهُ ما شَبَّهُوا بهِ عَلَى مَنْ لا علمَ عندَهُ.
فكيفَ يكونُ خالقًا لكلِّ شيءٍ مَنْ أفعالُ العبادِ كلِّهِم ليستْ منْ خلقِهِ؟!
وكيفَ يكونُ قادرًا على كلِّ شيءٍ مَنْ لا يستطيعُ هدايَةَ عبدٍ منْ عبادِهِ أوْ إضلالَهُ؟!
وكيفَ يكونُ فعَّالًا لما يُرِيدُ مَنْ إذا شاءَ مِنْ عبدِهِ أنْ يعملَ عملًا وشاءَ العبدُ خِلافَهُ نفَذَتْ مشيئةُ العبدِ ولمْ تنْفُذْ مشيئةُ ربِّهِ؟!
وكيفَ يكونُ مَلِكًا حقًّا مَنْ لا يقدِرُ أنْ يَهْدِيَ ولا يُضِلَّ حقيقةً، ويخلُقُ عبادَهُ خلقًا بغيرِ إذنِهِ ومشيئتِهِ، بلْ يجعلونَ لهُ شريعةً يُوجِبُونَها عليْهِ؛ فيوجبونَ عليهِ أنْ يُثِيبَ الطائعَ ويُخْلِدَ صاحبَ الكبيرةِ المُوَحِّدَ في العذابِ الشديدِ كالمشركينَ؟!
إلى غيرِ هذهِ الأسماءِ التي يَسْتَدِلُّ بها المؤمنُ المُوَفَّقُ على ضلالِ هذهِ الطائفةِ وبُطْلانِ قولِهِم.
وأمَّا ضلالُ الجبْرِيَّةِ فمنشؤُهُ الجهلُ بحكمةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ وحمْدِهِ وعدْلِهِ ورحمَتِهِ وإحسانِهِ:
فكيفَ يكونُ حكيمًا مَنْ يُنْزِلُ الشرائعَ المُتَضَمِّنَةَ للأوامرِ والنواهِي المُفَصَّلةِ على عبادٍ لا يستطيعونَ امتثالَها، بلْ همْ مجْبُورونَ على مُخالفَتِها، لا اختيارَ لهم ولا مشيئةَ، فسَوَاءٌ أنزلَ الشريعةَ أمْ لمْ يُنْزِلْهَا ليسَ لهمْ إلاَّ فعلُ ما أُجْبِرُوا عليْهِ؟!
وما هيَ فائدةُ إرسالِ الرُّسُلِ وإنزالِ الكُتُبِ وتصريفِ الآياتِ؟!
وكيفَ يكونُ عَدْلًا حَمِيدًا مَنْ يأْمُرُ العبدَ بأَمْرٍ ويُجْبِرُهُ على مخالفتِهِ، ثمَّ يُعاقِبُهُ على تلكَ المخالفةِ أشدَّ العقابِ؟!
وكيفَ يكونُ رحْمَانًا رحيمًا مَنْ يُخْرِجُ عبدَهُ المؤمنَ المُخْبِتَ منْ قَرَارَةِ مُتَعَبَّدِهِ ومحلِّ سُجُودِهِ فَيُخْلِدُهُ في النارِ بلا جُرْمٍ ارتكَبَهُ ولا ذَنْبٍ اقترفَهُ؟!
وكيفَ يكونُ إلهًا وَدُودًا حميدًا يستحقُّ الحُبَّ والودَّ والحمدَ كلَّهُ مَنْ هذا شَأْنُهُ؟!
وهكذا سائرُ الأسماءِ الدالَّةِ على ضلالِ هذهِ الطائفَةِ؛ يَسْتَدِلُّ بها مَنْ نَوَّرَ اللَّهُ قلْبَهُ على بُطْلانِ قولِهِم.