(وإذا فتح الإمام بلدة عنوة) أي قهرًا (فهو) في العقار (بالخيار) بين أمرين: (إن شاء قسمه بين الغانمين) كما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بخيبر (وإن شاء أقر أهله عليه، ووضع عليهم الخراج) كما فعل عمر رضي اللّه عنه بسواد العراق بموافقة الصحابة، رضوان اللّه تعالى عليهم، وفي كل من ذلك قدوة، فيتخير، وقيل: الأولى هو الأول عند حاجة الغانمين، والثاني عند عدم الحاجة، قيدنا بالعقار لأن المنقول لا يجوز المن فيه بالرد عليهم (وهو) أي الإمام (في الأسرى بالخيار) بين ثلاثة أمور: (إن شاء قتلهم) حسما لمادة الفساد (وإن شاء استرقهم) توفيرًا لمنفعة الإسلام (وإن شاء تركهم أحرارًا ذمة للمسلمين) إذا كانوا أهلا للذمة، كما فعل عمر رضي اللّه عنه بسواد العراق. قيدنا بكونهم أهل للذمة احترازا عن المرتدين ومشركي العرب كما سبق.
(ولا يجوز) للإمام (أن يردهم إلى دار الحرب) لما فيه من تقويتهم على المسلمين كما مر.
(وإذا أراد) الإمام (العود) إلى دار الإسلام (ومعه مواش فلم يقدر على نقلها إلى دار الإسلام ذبحها، و) بعده (حرقها) لأن ذبح الحيوان يجوز لغرض صحيح، ولا غرض أصح من كسر شوكة أعداء اللّه (ولا يعقرها) بأن يقطع قوائمها ويدعها حية؛ لما فيه من المثلة والتعذيب (ولا يتركها) لهم حية ولا معقورة، ولا من غير حرق، قطعًا لمنفعتهم بها.
(ولا يقسم) الإمام (غنيمة في دار الحرب) ، بل (حتى يخرجها إلى دار الإسلام) ، لأن الملك لا يثبت للغانمين إلا بالإحراز في دار الإسلام.
(والردء) أي المعين (والمقاتل في العسكر سواء) لاستوائهم في السبب وهو المجاوزة أو شهود الوقعة على ما عرف، وكذلك إذا لم يقاتل لمرض أو غيره، لما ذكرناه، هداية.
(وإذا لحقهم المدد) - وهو ما يرسل إلى الجيش ليزدادوا - وفي الأصل: ما يزاد به الشيء ويكثر، قهستاني (في دار الحرب قبل أن يخرجوا الغنيمة إلى دار الإسلام) وقبل القسمة وبيع الغنيمة، ولو بعد انقضاء القتال (شاركوهم فيها) لوجود الجهاد منهم معنى قبل استقرار الملك العسكر، ولذا ينقطع حق المشاركة بالإحراز، أو بقسمة الإمام في دار الحرب، أو ببيعه المغانم فيها؛ لأن بكل منها يتم الملك، فينقطع حق شركه المدد.
(ولا حق لأهل سوق العسكر في الغنيمة، إلا أن يقاتلوا) ؛ لأنهم لم يجاوزوا على قصد القتال؛ فانعدم السبب الظاهر، فيعتبر السبب الحقيقي - وهو قصد القتال - فيفيد الاستحقاق على حسب حاله، فارسًا أو راجلا عند القتال، هداية.
(وإذا أمن رجل حر، أو امرأة حرة كافرًا) واحدًا (أو جماعة) من الكفار (أو أهل حصن، أو مدينة، صح أمانهم) ، لأنه من أهل القتال؛ إذ هو من أهل المنعة، فيحقق منه الأمان، ثم يتعدى إلى غيره، ولأن سببه - وهو الإيمان - لا يتجزأ؛ فكذا الأمان، فيتكامل كولاية النكاح (و) حيث صح أمانهم (لم يجز لأحد من المسلمين قتلهم) ولا التعرض لما معهم، والأصل في ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم: (المسلمون"يد على من سواهم"تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم) أي: أقلهم، وهو الواحد، هداية (إلا أن يكون في ذلم مفسدة) تلحق المسلمين (فينبذ الإمام إليهم) أمانهم، كما إذا كان الأمان منهم ثم رأى المصلحة في النبذ كما مر.
(ولا يجوز أمان ذمي) ؛ لأنه متهم بهم، ولا ولاية له على المسلمين، (ولا أسير ولا تاجر يدخل عليهم) ؛ لأنهما مقهوران تحت أيديهم، فلا يخافونهما، والأمان يختص بمحل الخوف، ولأنهم كلما اشتد الأمر عليهم يجدون أسيرا أو تاجرًا فيتخلصون بأمانه، فلا ينفتح باب الفتح، هداية.
(يتبع...)
@ (تابع... 2) : - الجهاد فرضٌ على الكفاية، إذا قام به فريقٌ من الناس سقط عن... ...
(ولا يجوز أمان العبد عند أبي حنيفة) ، لأن الأمان عنده من جملة العقود والعبد محجور عليه، فلا يصح عقده (إلا أن يأذن له مولاه في القتال) ؛ لأنه يصير مأذونًا؛ فيصح عقد الأمان منه (وقال أبو يوسف ومحمد: يصح أمانه) لأنه مؤمن ذو قوة وامتناع يتحقق منه الخوف، والأمان مختص بمحل الخوف.
قال جمال الإسلام في شرحه: وذكر الكرخي قول أبي يوسف مع أبي حنيفة وصح قول أبي حنيفة، ومشى عليه الأئمة البرهاني والنسفي وغيرهما، تصحيح.