فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 428

(وللمكره) بالبناء المجهول (أن يضمن المكره) بالبناء للمعلوم (وإن شاء) لأنه آلة للاكراه فيما يرجع للاتلاف، فكأنه دفعه بنفسه إلى المشتري، فيكون مخيرا في تضمين أيهما شاء، كالغاصب وغاصب الغاصب، فلو ضمن المكره رجع على المشتري بالقيمة، وإن ضمن المشتري نفذ كل شراء كان بعد شرائه لو تناسخته العقود؛ لأنه تملكه بالضمان، فظهر أنه باع ملكه، ولا ينفذ ما كان قبله؛ لأن الاسناد إلى وقت قبضه، بخلاف ما إذا أجاز المالك المكره عقدا منها حيث يجوز ما قبله وما بعده؛ لأنه أسقط حقه وهو المانع، فعاد الكل إلى الجواز، هداية.

(ومن أكره على أن يأكل الميتة) أو الدم، أو لحم الخنزير (أو يشرب الخمر، وأكره على ذلك) بغير ملجئ: بأن كان (بحبس أو قيد أو ضرب) لا يخاف منه على تلف على النفس أو عضو من الأعضاء (لم يحل له) الإقدام؛ إذ لا ضرورة في إكراه غير ملجئ، إلا أنه لا يحد بالشرب للشبهة، ولا يحل له الإقدام (إلا أن يكره) بملجئ: أي (بما يخاف منه على) تلف (نفسه أو على) تلف (عضو من أعضائه، فإذا خاف ذلك وسعه أن يقدم على ما أكره عليه) بل يجب عليه؛ ولذا قال (ولا يسعه) أي لا يجوز له (أن يصبر على ما توعد به) حتى يواقعوا به الفعل (فإن صبر حتى أوقعوا به) فعلا (ولم يأكل فهو آثم) ؛ لأنه لما أبيح له ذلك كان بالامتناع معاونًا لغيره على إهلاك نفسه، فيأثم كما في حالة المخمصة.

(وإن أكره على الكفر باللّه) عز وجل (أو سب النبي صلى اللّه عليه وسلم بقيد أو حبس أو ضرب لم يكن ذلك إكراهًا) لأن الإكراه بهذه الأشياء ليس بإكراه في شرب الخمر كما مر، ففي الكفر أولى، بل (حتى يكره بأمر يخاف منه على نفسه، أو على عضو من أعضائه، فإذا خاف ذلك وسعه أن يظهر) على لسانه (ما أمروه به، ويورى) وهي أن يظهر خلاف ما يضمر (فإذا أظهر ذلك) على لسانه (وقلبه مطمئن بالإيمان، فلا إثم عليه) ؛ لأنه بإظهار ذلك لا يفوت الإيمان حقيقة لقيام التصديق، وفي الامتناع فوت النفس حقيقة، فيسعه الميل إلى إظهار ما طلبوه (وإن صبر) على ذلك (حتى قتلوه ولم يظهر الكفر كان مأجورًا) لأن الامتناع لإعزاز الدين عزيمة.

(وإن أكره على إتلاف مال) امرئ (مسلم بأمر يخاف منه على نفسه، أو على عضو من أعضائه، وسعه أن يفعل ذلك) ، لأن مال الغير يستباح للضرورة، كما في حالة المخمصة، وقد تحققت الضرورة (ولصاحب المال أن يضمن المكره) بالكسر، لأن المكره بالفتح كالآلة.

(وإن أكره بقتل على قتل غيره لم يسعه أن يقدم عليه، ويصبر حتى يقتل، فإن قتله كان آثما) ؛ لأن قتل المسلم مما لا يستباح لضرورة ما فكذا بهذه الضرورة، هداية (و) لكن (القصاص على الذي أكرهه إن كان القتل عمدا) قال في الهداية: وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال زفر: يجب على المكره، وقال أبو يوسف: لا يجب عليهما.

قال الإسبيجاني: والصحيح قول أبي حنيفة، ومشى عليه الأئمة كما هو الرسم، تصحيح.

(وإن أكرهه على طلاق امرأته) أو نكاح امرأة (أو عتق عبده ففعل وقع ما أكره عليه) لأنها تصح مع الإكراه كما تصح مع الهزل، كما مر في الطلاق (ويرجع) المكره (على الذي أكرهه بقيمة العبد) في الإعتاق؛ لأنه صلح آلة له فيه من حيث الإتلاف، فيضاف إليه (في نسخة"فلا يضاف إليه"ومن الممكن تصحيح كلتا النسختين، فتأمل) . فله أن يضمنه موسرًا كان أو معسرًا لكونه ضمان إتلاف كما مر، ولا يرجع الحامل على العبد بالضمان، لأنه مؤاخذ بإتلافه، درر.

(وبنصف مهر المرأة) في الطلاق (إن كان) الطلاق (قبل الدخول) وكان مهر مسمى في العقد؛ لأن ما عليه كان على شرف السقوط بوقوع الفرقة من جهتها، وقد تأكد ذلك بالطلاق، فكان تقريرًا للمال من هذا الوجه، فيضاف تقريره إلى الحامل والتقرير كالإيجاب، درر. قيد بما إذا كان قبل الدخول لأنه لو كان دخل بها تقرر المهر بالدخول لا بالطلاق. وقيدنا بكون المهر مسمى في العقد لأنه لو لم يكن مسمى فيه إنما يرجع بما لزمه من المتعة، ولا يرجع في النكاح بشيء لأن المهر إن كان مهر المثل أو أقل كان العوض مثل ما أخرجه عن ملكه أو أكثر، وإن كان أكثر من مهر المثل فالزيادة باطلة، ويجب مقدار مهر المثل، ويصير كأنهما سميا ذلك المقدار، حتى إنه يتنصف بالطلاق قبل الدخول، جوهرة. وفيها عن الخجندي: الإكراه لا يعمل في الطلاق، والعتاق، والنكاح، والرجعة، والتدبير، والعفو عن دم العمد، واليمين، والنذر، والظهار، والإيلاء، والفئ فيه، والإسلام، اهـ.

(وإن أكرهه على الزنا وجب عليه الحد عند أبي حنيفة، إلا أن يكرهه السلطان) لأن الإكراه عنده لا يتحقق من غيره (وقال أبو يوسف ومحمد: لا يلزمه الحد) ؛ لأن الإكراه يتحقق من غيره، وعليه الفتوى، قال قاضيخان: الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان في قول الإمام، وفي قول صاحبيه يتحقق من كل متغلب يقدر على تحقيق ما هدد به، وعليه الفتوى، وفي الحقائق: والفتوى على قولهما، وعليه مشى الإمام البرهاني والنسفي وغيرهما، تصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت