(ويجب أن يكون) المنصوب للقسمة (عدلا) ، لأنها من جنس عمل القضاء (مأمونًا) ليعتمد على قوله (عالمًا بالقسمة) ليقدر عليها، لأن من لا يعلمها لا يقدر عليها.
(ولا يجبر القاضي الناس على قاسم واحد) قال في الهداية: معناه لا يجبرهم على أن يستأجروه، لأنه لا جبر على العقود، ولأنه لو تعين لتحكيم بالزيادة على أجر مثله، ولو اصطلحوا فاقتسموا جاز، إلا إذا كان فيهم صغير فيحتاج إلى أمر القاضي، لأنه لا ولاية لهم عليه، اهـ. (ولا يترك) القاضي (القسام يشتركون) كيلا يتواضعوا على مغالاة الأجر، فيحصل الإضرار بالناس.
(وأجرة القسمة على عدد الرءوس عند أبي حنيفة) لأن الأجر مقابل بالتمييز، وإنه لا يتفاوت، وربما يصعب الحساب بالنظر إلى القليل، وقد ينعكس الحال، فتعذر اعتباره، فيتعلق الحكم بأصل التمييز (وقالا: على قدر الأنصباء) ، لأنه مؤونة الملك فيتقدر بقدره، قال في التصحيح: وعلى قول الإمام مشى في المغنى والمحبوبي وغيرهما.
(وإذا حضر الشركاء عند القاضي وفي أيديهم دار أو ضيعة) أي أرض (ادعوا أنهم ورثوها عن) مورثهم (فلان لم يقسمها عند أبي حنيفة) ، لأن القسمة قضاء على الميت، إذ التركة مبقاة على ملكه قبل القسمة، بدليل ثبوت حقه في الزوائد، كأولاد ملكه وأرباحه، حتى تقضى ديونه منها وتنفذ وصاياه، وبالقسمة ينقطع حق الميت عن التركة، حتى لا يثبت حقه فيما يحدث بعده من الزوائد، فكانت قضاء على الميت، فلا يجابون إليها بمجرد الدعوى، بل (حتى يقيموا البينة على موته وعدد ورثته) ويصير البعض مدعيًا والبعض الآخر خصما عن المورث، ولا يمتنع ذلك إقراره، كما في الوارث أو الوصي المقر بالدين فإنه تقبل البينة عليه مع إقراره (وقالا: يقسمها باعترافهم) لأن اليد دليل الملك، ولا منازع لهم، فيقسمها كما في المنقول والعقار المشترى (و) لكن (يذكر في كتاب القسمة أنه قسمها بقولهم) ليقتصر عليهم، ولا يكون قضاء على شريك آخر لهم.
قال الإمام جمال الإسلام في شرحه: الصحيح قول الإمام، واعتمده المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة وغيرهم، كذا في التصحيح.
(وإذا كان المشترك ما سوى العقار وادعوا أنه ميراث) أو مشترى أو ملك مطلق، وطلبوا قسمته (قسمة في قولهم جميعا) ؛ لأن في قسمة المنقول نظرًا للحاجة إلى الحفظ (وإن ادعوا في العقار أنهم اشتروه) وطلبوا قسمته (قسمه بينهم) أيضًا؛ لأن المبيع يخرج من ملك البائع وإن لم يقسم، فلم تكن القسمة قضاء على الغير (وإن) ادعوا الملك المطلق، و (لم يذكروا كيف انتقل) إليهم (قسمه بينهم) أيضًا؛ لأنه ليس في القسمة قضاء على الغير؛ فإنهم ما أقروا بالملك لغيرهم، قال في التصحيح: هذه رواية كتاب القسمة، وفي رواية الجامع: لا يقسمها حتى يقيما البينة أنها لهما، قال في الهداية: ثم قيل هو قول أبي حنيفة خاصة، وقيل: هو قول الكل، وهو الأصح، وكذا نقل الزاهدي.
(وإذا كان كل واحد من الشركاء ينتفع بنصيبه) بعد القسمة (قسم بطلب أحدهم) ؛ لأن في القسمة تكميل المنفعة؛ فكانت حقًا لازمًا فيما يقبلها بعد طلب أحدهم (وإن كان أحدهم ينتفع) بالقسمة، لكثرة نصيبه (والآخر يستضر لقلة نصيبه، فإن طلب صاحب الكثير قسم) له؛ لأنه ينتفع بنصيبه، فاعتبر طلبه؛ لأن الحق لا يبطل بتضرر الغير. (وإن طلب صاحب القليل لم يقسم) له؛ لأنه يستضر فكان متعنتًا في طلبه، فلم يعتبر طلبه، قال في التصحيح: وذكر الخصاف على قلب هذا، وذكر الحاكم في مختصره أن أيهما طلب القسمة يقسم القاضي، قال في الهداية وشرح الزاهدي: إن الأصح ما ذكر في الكتاب، وعليه مشى الإمام البرهاني، والنسفي، وصدر الشريعة، وغيرهم، اهـ (وإن كان كل واحد منهما يستضر) لقلته (لم يقسمها) القاضي (إلا بتراضيهما) ، لأن الجبر على القسمة لتكميل المنفعة، وفي هذا تفويتها، ويجوز بتراضيهما، لأن الحق لهما، وهما أعرف بشأنهما.