(ومن سرق عينًا فقطع فيها وردها) لمالكها (ثم عاد فسرقها) ثانيًا (وهي) بعد (بحالها) لم تتغير (لم يقطع) بها ثانيًا؛ لأنه وجب لهتك حرمة العين؛ فتكراره فيها لا يوجب تكرار الحد (فإن تغيرت عن حالها) الأول (مثل أن) لو (كان) المسروق (غزلا فسرقه فقطع فيه فرده) لمالكه (ثم نسج) ذلك الغزل وصار كرباسًا (فعاد) السارق (فسرقه) ثانيًا (قطع، وإذا قطع السارق والعين) المسروقة (قائمة في يده ردها) على مالكها، لبقائها على ملكه (وإن كانت) العين (هالكة) أو مستهلكة على المشهور (لم يضمن) ، لأنه لا يجتمع القطع والضمان عندنا، سواء كان الاستهلاك قبل القطع أو بعده، مجتبى. وفيه: لو استهلكه المشتري منه أو الموهوب له فللمالك تضمينه.
(وإذا ادعى السارق أن العين المسروقة ملكه سقط القطع عنه وإن لم يقم بينة) لوجود الشبهة باحتمال الصدق.
(ولما أنهى الكلام عن السرقة الصغرى أخذ في الكلام على السرقة الكبرى فقال:(وإذا خرج جماعة ممتنعين) : أي قادرين على أن يمنعوا على أنفسهم تعرض الغير، (أو واحد يقدر على الامتناع) بنفسه، قال في غاية البيان: وإطلاق اسم الجماعة يتناول المسلم والذمي والكافر، والحر والعبد، والمراد من الامتناع: أن يكون قاطع الطريق بحيث يمكن له أن يدفع عن نفسه بقوته وشجاعته تعرض الغير، قال الإمام الإسبيجاني في شرح الطحاوي: اعلم أن قاطع الطريق إنما يكون بعد أن تستجمع فيه شرائط، وهي: أن يكون لهم قوة وشوكة ينقطع الطريق بهم، وأن لا يكون بين قريتين ولا بين مصرين ولا مدينتين، وأن يكون بينهم وبين المصر مسيرة سفر؛ فإذا وجدت هذه الأشياء يكون قاطعًا للطريق، وإلا فلا، هكذا ذكر في ظاهر الرواية، وروى عن أبي يوسف أنه قال: إن كان أقل من مسيرة سفر أو كان في المصر ليلا فإنه يجري عليهم حكم قطاع الطريق، وهو: أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى والفتوى هنا على قول أبي يوسف، اهـ. ونقل مثله في التصحيح عن الينابيع وشرح الطحاوي (فقصدوا قطع الطريق، فأخذوا قبل أن يأخذوا مالا ولا قتلوا نفسًا حبسهم الإمام) وهو المراد بالنفي في الآية؛ إذ المراد توزيع الأجزية على الأحوال كما هو مقرر في الأصول (حتى يحدثوا توبة) لا بمجرد القول، بل بظهور سيماء الصالحين أو الموت (وإن أخذوا مال مسلم أو ذمي والمأخوذ إذا قسم على جماعتهم) بالسوية (أصاب كل واحد منهم عشرة دراهم) فضة فصاعدًا (أو ما قيمته ذلك) من غيرها (قطع الإمام أيديهم وأرجلهم من خلاف) أي قطع من كل واحد يده اليمنى ورجله اليسرى، وهذا إذا كان صحيح الأطراف كما مر، وهذه حالة ثانية (وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا قتلهم الإمام حدا) لا قصاصًا، ولذا لا يشترط فيه أن يكون موجبًا للقصاص بأن يكون بمحدد، ولا يجوز العفو عنه كما صرح بقوله: (فإن عفا الأولياء عنهم لم يلتفت إلى عفوهم) ، لأن الحدود وجبت حقًا للّه تعالى
لا حق للعباد فيها، وهذه حالة ثالثة (وإن قتلوا وأخذوا المال) وهي الحالة الرابعة.
(فالإمام بالخيار: إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف) جزاء على أخذ المال (و) بعد ذلك (قتلهم وصلبهم) جزاء على القتل (وإن شاء قتلهم) فقط (وإن شاء صلبهم) فقط؛ لما في كل منهما من الإهلاك، وفي كفاية في الزجر قال الإمام الإسبيجاني: وهذا الذي ذكره قول أبي حنيفو وزفر، وقال أبو يوسف: لا أعفيه من الصلب، وقال محمد: لا يقطع، ولكن يقتل ويصلب، والصحيح قول أبي حنيفة، وفي الهداية والتجنيس: أنه ظاهر الرواية، واختاره المحبوبي والموصلي وغيرهما، تصحيح، (ويصلب) من يراد صلبه (حيا) وكيفيته: أن تغرز خشبة ويوقف عليها وفوقها خشبة أخرى ويربط عليها يديه (ويبعج بطنه بالرمح) من تحت ثديه الأيسر، ويخضخض بطنه (إلى أن يموت) وروى الطحاوي أنه يقتل أولا ثم يصلب بعد القتل؛ لأن الصلب حيا مثلة؛ ولأنه يؤدي إلى التعذيب، والأول أصح لأن صلبه حيا أبلغ في الزجر والردع كما في الجوهرة (ولا يصلب) : أي لا يبقى مصلوبا (أكثر من ثلاثة أيام) وهو ظاهر الرواية، كذا قال الصدر الشهيد في شرح الجامع الضغير، وعن أبي يوسف أنه يترك على خشبته حتى ينقطع فيسقط ليحصل الاعتبار لغيره، وجه الظاهر أن الاعتبار يحصل بالثلاثة فيعدها يتغير فيتأذى الناس فيخلى بينه وبين أهله ليدفن، غاية (فإن كان فيهم) : أي القطاع (صبي أو مجنون أو ذي رحم محرم من المقطوع عليهم) الطريق (سقط الحد عن الباقين) ؛ لأن الجناية واحدة قامت بالجميع، فإذا لم يكن قعل بعضهم موجبًا صار في فعل الباقين بعض العلة فلا يترتب عليه الحكم، قال في الغاية: وهذا الذي ذكره القدوري ظاهر الرواية عن أصحابنا، وهو قول زفر، اهـ (و) إذا سقط الحد (صار القتل إلى الأولياء) ؛ لظهور حق العبد، وحينئذ (إن شاؤا قتلوا) قصاصا؛ فيعتبر فيه وجبه من القصاص أو الدية (وإن شاءوا عفوا) ؛ لأنه صار خالص حقهم (وإن باشر الفعل الواحد منهم) دون
الباقين (أجري الحد على جماعتهم) ؛ لأنه إنما يأخذه بقوة الباقين.