(ومن قال لعربي يا نبطي) نسبة إلى النبط - بفتحتين - جيل من العرب ينزلون البطائح في سواد العراق (لم يحد) لأنه يراد به التشبيه في الأخلاق أو عدم الفصاحة، وكذا إذا قال (لست بعربي) لما قلنا، هداية (ومن قال لرجل يا ابن ماء السماء فليس بقاذف) لأنه يحتمل المدح بحسن الخلق والكرم والصفاء، لأن ابن ماء السماء لقب لجد النعمان بن المنذر، لقب به لصفائه وسخائه كما في الجوهرة (وإذا نسبه إلى عمه أو خاله أو زوج أمه فليس بقاذف) لأن كل واحد من هؤلاء يسمى أبا: أما الأول فلقوله تعالى: {وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} وإسماعيل كان عما له، والثاني بقوله صلى اللّه عليه وسلم: (الخال أب) والثالث للتربية، هداية.
(ومن وطئ وطئا حراما في غير ملكه) ، ولو بشبهة كالوطء بنكاح فاسد (لم يحد قاذفه) لعدم الإحصان (والملاعنة بولد لا يحد قاذفها) ، لأن ولدها غير ثابت النسب؛ وهو أمارة الزنا، فسقط إحصانها، وإن كانت الملاعنة بغير ولد حد قاذفها.
ومن قذف أمة أو عبدًا أو كافرًا) أو صغيرًا (بالزنا) عزر، لأنه آذاه وألحق به الشين، ولا يحد به، لعدم إحصانه، ولا مدخل للقياس في الحدود، فوجب التعزير إلا أنه يبلغ بع غايته، لأنه من جنس ما يجب فيه الحد، وكذا لو قذف من ذكر (أو قذف مسلما) محصنا (بغير الزنا فقال) له (يا فاسق أو يا كافر أو يا خبيث) أو يا سارق، أو يا فاجر، أو يا آكل الربا، أو نحو ذلك (عزر) لما قلنا، إلا أن هذا أخف من الأول، لأنه ليس من جنس ما يجب فيه الحد، فالرأي فيه للإمام كما في الهداية (وإن قال) له (يا حمار أو يا خنزير) أو يا كلب أو يا تس (لم يعزر) لأنه ما ألحق به الشين، للتيقن بنفيه، وقيل: في عرفنا يعزر، لأنه تلحقهم الوحشة بذلك، وإن كان من العامة لا يعزر، وهو الأحسن، هداية.
(والتعزير) لغة: التأديب، وشرعا: تأديب دون الحد؛ كما أشار إليه بقوله (أكثره تسعة وثلاثون سوطا، وأقله ثلاث جلدات) ، لأن حد الرقيق في القذف أربعون فينقص منه سوطا لئلا يبلغ الحد، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد (وقال أبو يوسف: يبلغ بالتعزير خمسة وسبعين سوطا) قال في الهداية: والأصل فيه قوله صلى اللّه عليه وسلم: (من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين) فأبو حنيفة ومحمد نظرا إلى أن أدنى الحد وهو حد العبد في القذف أربعون فنقصا منه سوطا، وأبو يوسف اعتبر أقل الحد في الأحرار إذ الأصل هو الحرية، ثم نقص سوطا في رواية عنه، وهو قول زفر، وهو القياس، وفي هذه الرواية نقص خمسة، وهو مأثور عن علي رضي اللّه عنه، فقلده، ثم قدر الأدنى في الكتاب بثلاث جلدات، لأن ما دونها لا يقع به الزجر، وذكر مشايخنا أن أدناه على ما يراه الإمام يقدره بقدر ما يعلم أنه ينزجر، لأنه يختلف باختلاف الناس، هداية. وفي المجتبى: ويكون بالحبس، وبالصفع على العنق، وفرك الأذن، وبالكلام العنيف، وبنظر القاضي له بوجه عبوس، ويشتم غير القذف، ثم قال: وعن السرخسي لا يباح بالصفع؛ لأنه من أعلى ما يكون من الاستخفاف فيصان عنه أهل القبلة، اهـ (وإن رأى الإمام أن يضم إلى الضرب في التعزير الحبس فعل) ، لأن المقصود الزجر والتأديب، فإذا رأى الإمام حصوله بالضرب اكتفى به، وإلا ضم إليه ما يراه من الحبس والنفي كما مر.
(وأشد الضرب التعزير) ، لأنه خفف من حيث العدد فيغلظ من حيث الوصف لئلا يؤدي إلى فوت المقصود، ولهذا لم يخفف من حيث التفريق على الأعضاء كما في الهداية (ثم حد الزنا) ، لأنه أعظم جناية حتى شرع فيه الرجم (ثم حد الشرب) لأن سببه متيقن (ثم حد القذف) ، لأن سببه محتمل لاحتمال صدقه.
(ومن حده الإمام أو عزره فمات) منه (فدمه هدر) لأنه فعل ما فعل بأمر الشرع، وفعل المأمور لا يتقيد بشرط السلامة كالفصاد والبزاغ، بخلاف الزوج إذا عزر زوجته، لأنه مطلق فيه والإطرقات تتقيد بشرط السلامة كالمرور في الطريق، هداية.
(وإذا حد المسلم في القذف سقطت شهادته وإن تاب) لقوله تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} والاستثناء في الآية عائد إلى ما يليه، وتمامه في الهداية في الشهادات (وإن حد الكافر في القذف ثم أسلم قبلت شهادته) لأن هذه الشهادة استفادها بعد الإسلام فلم تدخل تحت الرد، بخلاف العبد إذا حد حد القذف، ثم أعتق لا تقبل شهادته، لأنه لا شهادة له أصلا في حال الرق، فكان رد شهادته بعد العتق من تمام حده، هداية.