(ويملك الذمي) الموات (بالإحياء كما يملك المسلم) ، لأن الإحياء سبب الملك فيستويان فيه كسائر الأسباب، إلا أنه لا يملكه بدون إذن الإام اتفاقا كما في القهستاني، قيد بالذمي لأن المستأمن لا يملكه مطلقًا اتفاقا كما في النظم.
(ومن حجر أرضًا) : أي علمها بوضع الأحجار حولها، أو منع غيره منها بوضع علامة من حجر أو غيره (ولم يعمرها) : أي لم يحيها (ثلاث سنين أخذها الإمام) من المحجر (ودفعها إلى غيره) ، لأن التحجير ليس بالإحياء، ولأن الإمام إنما دفعها له لتحصل المنفعة للمسلمين من حيث العشر أو الخراج، فإذا لم يحصل يدفعها إلى غيره تحصيلا للمقصود.
(ولا يجوز إحياء ما قرب من العامر) لأنه تبع له، لأنه من مرافقه كما صرح به بقوله: (ويترك مرعى لأهل القرية ومطرحا لحصائدهم) ، لتحقق حاجتهم إليها فلا يكون مواتًا لتعلق حقهم بها، بمنزلة الطريق والنهر، وعلى هذا قالوا: لا يجوز أن يقطع الإمام ما لا غنى للمسلمين عنه كالملح والآبار التي يستقي الناس منها لما ذكرناه، هداية. وإذا أحاط الإحياء بجوانب ما أحياه الأربعة على التعاقب فطريقه في الرابعة كما في الدرر وغيرها.
(ومن حفر بئرا في برية) بإذن الإمام عنده، ومطلقًا عندهما على ما مر، لأن حفر البئر إحياء (فله حريمها) من جوانبها الأربع، لأن تمام الانتفاع لا يكون إلا به (فإن كانت البئر للعطن) : أي مناخ الإبل، وهي التي يناخ حولها الإبل ويستقي لها باليد (فحريمها أربعون ذراعًا) ثم قيل: الأربعون من كل الجوانب، والصحيح أنه من كل جانب؛ لأن في الأراضي رخوة يتحول الماء إلى ما حفر دونها، هداية (وإن كانت) البئر (للناضح) وهي التي يستخرج ماؤها بسير الإبل ونحوها (فستون ذراعًا) وهذا عندهما، وعند أبي حنيفة أربعون أيضًا، ورجح دليله واعتمده واختاره المحبوبي والنسفي وغيرهما، كذا في التصحيح.
وفيه عن مختارات النوازل: من حفر بئرًا في برية موات فله حريمها على قدر الحاجة من كل الجوانب، وهو الصحيح. اهـ. (وإن كانت) المستخرجة بالحفر (عينًا) جارية (فحريمها ثلاثمائة ذراع) من كل جانب، قال في الينابيع: وذكر الطحاوي خمسمائة ذراع، وهذا التقدير ليس بلازم، بل هو موكول إلى رأي الناس واجتهادهم، اهـ. وفي الهداية: والأصح أنه خمسمائة ذراع من كل جانب، اهـ.
ثم قال: وقيل: إن التقدير في العين والبئر بما ذكرنا في أراضيهم لصلابتها، وفي أرضينا رخاوة فيزداد كيلا يتحول الماء إلى الثاني فيتعطل الأول، اهـ. ثم المراد بالذراع ذراع العامة، وهي ست قبضات، ويعبر عنها بالمكسرة؛ لأن ذراع الملك كان سبع قبضات فكسر منه قبضة (فمن أراد أن يحفر في حريمها) أي حريم المذكورات (منع منه) كيلا يؤدي إلى تفويت حقه أو الإخلال به، لأنه بالحفر ملك الحريم ضرورة تمكنه من الانتفاع به، فليس لغيره أن يتصرف في ملكه، فإن احتفر آخر بئرًا في حريم الأول فللأول كبسه (1) أو تضمينه، وتمامه في الهداية.
(وما ترك الفرات أو الدجلة وعدل) ماؤه (عنه) : أي عن المتروك (و) لكن (يجوز عوده) : أي الماء (إليه) : أي إلى ذلك المكان الذي تركه (لم يجز إحياؤه) ولو بإذن الإمام، لحاجة العامة إلى مونه نهرًا (وإن كان لا يجوز) : أي غير محتمل (أن يعود إليه فهو كالموات) : أي لأنه ليس في ملك أحد، وهذا (إذا لم يكن حريمًا لـ) محل (عامر) فإن كان حريمًا لعامر كان تبعًا له، لأنه من مرافقه، وإذا لم يكن حريمًا لعامر فإنه (يملكه من أحياه) إن كان (بإذن الإمام عند الإمام) وإلا فلا، خلافا لهما كما تقدم.
(ومن كان له نهر) يجري (في أرض غيره فليس له) أي لصاحب النهر (حريمه) بمجرد دعواه أنه له (عند أبي حنيفة) ، لأن الظاهر لا يشهد له، بل لصاحب الأرض، لأنه من جنس أرضه، والقول لمن يشهد له الظاهر (إلا أن يقيم البينة على ذلك) ، لأنها لإثبات خلاف الظاهر (وقالا: له مسناة(1) يمشي عليها، ويلقي عليها طينه)، لأن النهر لابد له من ذلك، فكان الظاهر أنه له، قال في التصحيح: واختار قول الإمام المحبوبي والنسفي، قال: وهذا إذا لم تكن مشغولة بغرس لأحدهما أو طين، فإن كان فهي لصاحب الشغل بالاتفاق. اهـ.
وفي الهداية: ولو كان عليه غرس لا يدري من غرسه فهو من مواضع الخلاف أيضًا وثمرة الخلاف أن ولاية الغرس لصاحب الأرض عنده، وعندهما لصاحب النهر، اهـ.
(1) كبسه: أراد ردمه.