الأول؛ لأنه حضره رأيه فلم يكن مخالفا. هداية (وإن كلفه بشراء عبد بغير عينه فاشترى) الوكيل (عبدا) من غير نية الشراء للموكل ولا إضافته إلى دراهمه (فهو للوكيل) ؛ لأنه الأصل (إلا أن يقول: نويت الشراء للموكل، أو يشتريه بمال الموكل) قال في الهداية: وهذه المسألة على وجوه: إن أضاف العقد إلى دراهم الآمر كان للآمر، وهو المراد عندي بقوله"أو يشتريه بمال الموكل"وهذا بالإجماع، وإن أضافه إلى دراهم نفسه كان لنفسه، وإن أضافه إلى دراهم مطلقة فإن نواها للآمر فهو للآمر، وإن نواها لنفسه فلنفسه، وإن تكاذبا في النية يحكم النقد بالإجماع؛ لأنه دلالة ظاهرة، وإن توافقا على أنه لم تحضره النية، قال محمد: هو للعاقد، لأن الأصل أن كل أحد يعمل لنفسه، إلا إذا ثبت جعله لغيره، ولم يثبت، وعن أبي يوسف يحكم النقد؛ لأن ما أوقعه مطلقا يحتمل وجهين، فيبقى موقوفا، فمن أي المالين نقد فقد فعل ذلك المحتمل لصاحبه، اهـ باختصار.
(والوكيل بالخصومة وكيل بالقبض عند) أئمتنا الثلاثة (أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد) خلافًا لزفر، هو يقول: رضي بخصومته، والقبض غير الخصومة ولم يرض به، ولنا أن من ملك شيئًا ملك تمامه، وتمام الخصومة بالقبض، والفتوى اليوم على قول زفر؛ لظهور الخيانة في الوكلاء، وقد يؤتمن على الخصومة من لا يؤتمن على المال، ونظيره الوكيل بالتقاضي: يملك القبض على أصل الرواية؛ لأنه في معناه وضعا، إلا أن العرف بخلافه، وهو قاضٍ على الوضع، والفتوى على أن لا يملك هداية. ونقل في التصحيح نحوه عن الإسبيجاني والينابيع والذخيرة والواقعات وغيرها، ثم قال: وفي الصغرى التوكيل بالتقاضي يعتمد العرف، إن كان في بلدة العرف بين التجار أن المتقاضي هو الذي يقبض الدين كان التوكيل بالتقاضي توكيلا بالقبض، وإلا فلا، وهذا اللفظ في التتمة، ونقل مثله عن محمد بن الفضل. اهـ.
(والوكيل بقبض الدين وكيل بالخصومة عند أبي حنيفة) حتى لو أقيمت عليه البينة على استيفاء الموكل أو إبرائه يقبل، لأنه وكله بالتملك؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، وهو يقتضي حقوقا، وهو أصيل فيها، فيكون خصما، وقالا: لا يكون خصما، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، لأنه ليس كل من يؤتمن على المال يهتدي للخصومة، فلم يكن الرضا بالقبض رضًا بالخصومة، قال في التصحيح: وعلى قول الإمام مشى المحبوبي في أصح الأقاويل والاختيارات والنسفي والموصلي وصدر الشريعة، ثم قال: وقيد بقبض الدين لأن الوكيل بقبض العين لا يكون وكيلا بالخصومة فيها بالإجماع، قاله في الاختيار وغيره، اهـ.
(وإذا أقر الوكيل بالخصومة) سواء كان وكيل المدعي أو المدعى عليه (على موكله عند القاضي جاز إقراره) لأنه مأمور بالجواب، والإقرار نوعي الجواب (ولا يجوز إقراره عليه عند غير القاضي عند أبي حنيفة ومحمد) ؛ لأن الإقرار إنما يكون جوبا عند القاضي؛ لأنه في مقابلة الخصومة، فيختص به، فلو أقيمت بينة على إقراره في غير مجلس القضاء لا ينفذ إقراره على الموكل (إلا أنه يخرج) المقر بذلك (من الخصومة) : أي الوكالة، حتى لا يدفع إليه المال، ولو ادعى المدعي ذلك الوكالة وأقام بينة لم تسمع؛ لأنه زعم أنه مبطل في دعواه (وقال أبو يوسف: يجوز إقراره عليه) ولو (عند غير القاضي) ؛ لأنه قائم مقام الموكل، وإقراره يختص بمجلس القضاء؛ فكذا إقرار نائبه، قال في التصحيح: قال الإسبيجاني: والصحيح قولهما.
(ومن ادعى أنه وكيل) فلان (الغائب في قبض دينه فصدقه الغريم) بدعواه (أمر بتسليم الدين إليه) ؛ لإقراره باستحقاق القبض له من غير إسقاط حق الغائب (فإن حضر الغائب فصدقه) فيها (وإلا) أي: وإن لم يصدقه (دفع إليه الغريم الدين ثانيًا) لأنه لم يثبت الاستيفاء حيث أنكر الوكالة، والقول في ذلك قوله مع يمينه، فيفسد الأداء (ورجع به) أي بما دفعه ثانيًا (على الوكيل) أي الذي ادعى الوكالة، وهذا (إن كان) المال (باقيا في يده ولو حكما، فإن استهلكه فإنه يضمن مثله، خلاصة. وإن ضاع في يده لم يرجع عليه، إلا أن يكون ضمنه عند الدفع، ولو لم يصدقه ودفع إليه على ادعائه فإن رجع صاحب المال على الغريم رجع الغريم على الوكيل؛ لأنه لم يصدقه في الوكالة، وإنما دفع إليه على رجاء الإجازة، فإذا انقطع رجاؤه رجع عليه، هداية.
(وإن قال) المدعى (إني وكيل) فلان الغائب (بقبض الوديعة) التي عندك (فصدقه المودع) في دعواه (لم يؤمر بالتسليم إليه) ؛ لأنه أقر له بمال الغير، بخلاف الدين، ولو ادعى أنه مات أبوه وترك الوديعة ميراثًا له ولا وارث له غيره وصدقه المودع أمر بالدفع إليه؛ لأنه لا يبقى ماله بعد موته؛ فقد اتفقا على أنه مال الوارث، ولو ادعى على أنه اشترى الوديعة من صاحبها وصدقه المودع لم يؤمر بالدفع إليه؛ لأنه ما دام حيا كان إقرارًا بملك الغير، هداية.