فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 428

(وقال أبو يوسف: عليه قيمتها يوم البيع) ؛ لأن المقدم قد صح، إلا أنه تعذر التسليم بالكساد، وهو لا يوجب الفساد، وإذا بقي العقد بها تجب القيمة يوم البيع لأن الضمان به (وقال محمد: عليه قيمتها آخر ما تعامل الناس بها) لأنه أوان الانتقال إلى القيمة، وبه يفتي كما في الخانية والخلاصة والفتاوى الصغرى والكبرى والحقائق عن المحيط والتتمة، وعزاه في الذخيرة إلى الصدر الشهيد، وكثير من المشايخ قيد بالكساد، لأنها إذا غلت أو رخصت قبل القبض كان البيع على حاله إجماعًا، ولا خيار لواحد منهما، ويطالب بنقد ذلك المعيار الذي كان وقت البيع، كما في الفتح.

(ويجوز البيع بالفلوس) مطلقًا؛ لأنها مال معلوم، لكن (النافقة) يجوز البيع بها (وإن لم تتعين) لأنها أثمان بالاصطلاح، فلا فائدة في تعينها (وإن كانت كاسدة لم يجز البيع بها حتى يعينها) بالإشارة إليها؛ لأنها سلع فلابد من تعينها (وإذا باع بالفلوس النافقة ثم كسدت) أو انقطعت (بطل البيع عند أبي حنيفة خلافا لهما، وهو نظير الخلاف الذي بيناه، هداية، وفيها: ولو استقرض فلوسًا فكسدت عند أبي حنيفة عليه مثلها؛ لأنه إعارة وموجبها رد العين معنى، والثمينة فضلٌ فيه، إذ القرض لا يختص به، وعندهما يجب قيمتها؛ لأنه لما بطل وصف الثمينة تعذر ردها كما قبض، فيجب رد القيمة، كما إذا استقرض مثليا فانقطع، لكن عند أبي يوسف يوم القبض، وعند محمد يوم الكساد على ما مر من قبل، اهـ.

قال شيخنا في رسالته: اعلم أن الظاهر من كلامهم أن جميع ما مر إنما هو في الفلوس والدراهم التي غلب غشها كما يظهر بالتأمل، ويدل عليه اقتصارهم في بعض المواضع على الفلوس، وفي بعضها ذكر العدالي معها، فإن العدالي - كما في البحر - الدراهم المنسوبة إلى العدل، وكأنه اسم ملك ينسب إليه درهم فيه غش، ولم يظهر حكم النقود الخالصة أو المغلوبة الغش، وكأنهم لم يتعرضوا لها لندرة انقطاعها أو كسادها، لكن يكثر في زماننا غلاؤها ورخصها فيحتاج إلى بيان الحكم فيها، ولم أر من نبه عليها، نعم يفهم من التقييد أن الخالصة أو المغلوبة ليس حكمها كذلك، والذي يغلب على الظن ويميل إليه القلب أن الدراهم المغلوبة الغش أو الخالصة إذا غلت أو رخصت لا يفسد البيع قطعا، ولا يجب إلا ما وقع عليه العقد من النوع المذكور فيه، فإنها أثمان عرفا وخلقة، والغش المغلوب كالعدم، ولا يجري في ذلك خلاف أبي يوسف، على أنه ذكر بعض الفضلاء أن خلاف أبي يوسف إنما هو في الفلوس فقط، وأما الدراهم التي غلب غشها فلا خلاف له فيها، وبهذا يحصل التوفيق بين حكاية الخلاف تارة والإجماع تارة أخرى كما تدل عليه عباراتهم، فحيث كان الواجب ما وقع عليه العقد في الدراهم التي غلب غشها إجماعا ففي الخالصة ونحوها أولى، وتمامه فيها (ومن اشترى شيئًا بنصف درهم) مثلا (فلوسًا جاز البيع) بلا بيان عددها (وعليه) : أي البائع (ما يباع بنصف درهم من الفلوس) ؛ لأنه عبارة عن مقدار معلوم منها (ومن أعطى الصيرفي درهما وقال: أعطني بنصفه فلوسًا وبنصفه) الآخر (نصفًا إلا حبة فسد البيع في الجميع عند أبي حنيفة) لأن الصفقة متحدة فيشيع الفساد (وقالا: جاز البيع في الفلوس، وبطل فيما بقي) لأن بيع نصف درهم بالفلوس جائز، وبيع النصف بنصف إلا حبة ربا فلا يجوز، ولو كرر لفظ الإعطاء كان جوابه كجوابهما، وهو الصحيح (2) لأنهما بيعان، هداية.

(ولو قال: أعطني) به (نصف درهم فلوسًا ونصفًا إلا حبة جاز، وكانت الفلوس والنصف إلا حبة بدرهم) لأنه قابل الدرهم بما يباع من الفلوس بنصف درهم وبنصف درهم إلا حبة، فيكون نصف درهم إلا حبة بمثله، وما وراءه بإزاء الفلوس، هداية.

(1) الآية 22 من سورة الرحمن.

(2) معنى هذا أن رأى أبي حنيفة في هذا الفرع كرأي الصاحبين، وهو جواز البيع في الفلوس وبطلانه فيما بقي، وخلاصة هذا الفرع أنه إما أن يكرر لفظ الإعطاء بأن يقول: أعطني بنصف هذا الدرهم فلوسا. وأعطنى بنصفه الآخر نصفا إلا حبة، وإما أن يذكر لفظ الإعطاء مرة واحدة، وفي هذه الحالة إما أن تجعل الفلوس في مقابل نصف، والنصف إلا حبة في مقابل النصف الآخر، بأن يقول: أعطني بنصف هذا الدرهم فلوسا وبنصفه الآخر نصفا إلا حبة، وإما أن يجعل الفلوس والنصف إلا حبة في مقابل الدرهم من غير تفصيل، بأن يقول: أعطني بهذا الدرهم نصف درهم فلوسا ونصفا إلا حبة: فالصورة الأخيرة صحيحة في الفلوس والنصف إلا حبة اتفاقا، والأولى صحيحة في الفلوس باطلة في النصف إلا حبة اتفاقا، والوسطى هي محل الخلاف فافهم ذلك واللّه المسئول أن يرشدك، وهو - سبحانه - أعلى وأعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت