فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 229

عند مدارس الشيعة الذين ابتدعوا نظامًا كهنوتيًّا للآيات، وبقيت مذاهب أهل السنة والجماعة مُبرّأة من هذا الدّاء، حتى أنك تلاحظ أنّ سلوك علماء الإسلام مع الأمراء يعدّ مفخرة بحّقّ لهذه الأمة.

وجاءنا القرن الأخير، فاستعمرنا أهل الصليب ومضوا ليُخَلِّفُوا وراءهم ممالك يرأسها أناس من جلدتنا، ويتكلّمون بألسنتنا، ولكن كفر أسيادهم يجري في عروقهم، ولم ينسوا أن يحصّنوهم بنفس التحصينات البابَويّة؛ فاتخذ كل واحد منهم ستارًا من المعمّمين والملتحين أصحاب الألقاب والشّهادات، فهنا وزير للأوقاف والشؤون الدينية، وهناك مفتي الديار، وهيئات ومؤسّسات ما أنزل الله بها من سلطان، مخصّصة للشؤون الإسلاميّة الشكليّة، ومهمتها الأساسية إضفاء الشرعية على الحاكم ونجدته في كل ملمّة، وقد بلغ هذا التخطيط الشيطاني شأوًا بعيدًا عندما أقامت له في بعض الدول مؤسّسات منظمة ذات هيكل مقنّن، أنفقت عليه الملايين، وسخّرت له أجهزة الإعلام العاتية لتُدخل في عقول المسلمين قبول هذه الكهنوتيّة في الدّين، كما صار لشيخ الأزهر وحاشيته وما يتفرّع عنه مؤسّسات يُعيَّن مسؤولها مباشرة من رئيس الدولة، وصار لهم لباس خاصّ يشبه لباس الطبّاخين الموحّد، وصرت تراهم على شاشات التلفاز وهم يعلنون أنّهم لا يعلمون أنّ حكّام مصر قد ردّوا لله حكمًا، فلِمَ الإرهاب؟!

وأمّا ما حصل في السعوديّة فأدهى وأمرّ، صار لهم مُفتٍ (مُفْتِنْ) للديار، رأس هيئة كبار العلماء يتفرع عنها هيئات ومكاتب، وصار إلى جانبها هيئات كرابطة العالم الإسلامي، والندوة، والإغاثة الإسلامية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. فخلطت الحق بالباطل؛ فإذا نظرت في أعمالها رأيت فيها الكثير مما يخدم الدين، ولكن ممّا لا يضر سلطانًا ولا يردع طاغية. ولمّا كانت هذه الهيئات في عقر دار الإسلام حيث الحرمين، ولمّا حملت راية السلف ومدرسة التوحيد اختلط الحق بالباطل، وصار لهذه الهيئات سلطان وكلمة حتى خارج حدود المملكة، وصار من يريد أن يزعم لنفسه الحق -محقًا أم مبطلًا- يترامى على أعتابها ليحصل على الترخيص والفتوى والمباركة. ولم تنكشف فضيحة هذه الهياكل الكهنوتية والغاية من ترتيبها على هذا الشكل إلّا عندما زُجَّ بها فيما وُجِدَت من أَجْله فتتالت النكبات؛ إجازة حمل الصليب لحرامي الحرمين، إفتاء بجواز احتلال عقر دار الإسلام باسم الضرورة، إقامة مباحثات السلام، بل الدعاء بالخير لمؤتمر مدريد، ثمّ أخيرًا إجازة التطبيع وتبادل العلاقات والزيارات والتّجارة مع اليهود، وحتّى تتمّ الطامّة؛ الإفتاء بسجن وعقاب الذين يأمرون بالقِسط من النّاس ليُزجّ بهم في غياهب السجون.

وما حدث في بلاد أخرى لا يقل شناعة، فها هو البوطي ساحر النّصيريّة في بلاد الشام يفتي بأن حكم من يجاهدون هذه الحكومات أن يُقتّلوا أو يُصلّبوا أو تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ولم يقف عند نفاقه لسيّده بل راح يتبرّع هنا وهناك لدعم حكومات الضلال، كما فعل أخيرًا في موقفه على التلفزيون الجزائري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت