فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 229

العدد: (135) ، الخميس 19/رمضان/1416 هـ - الموافق لـ 8/ 2/1996 م

يقول سيد قطب -رحمه الله تعالى-: «وإنما آفة الدين تتمثَّل في معظم الأحيان في فئة من رجاله، وآفة رجال الدين حين يفسدون أن يصبحوا أداة طيَّعة لتزييف الحقائق باسم أنهم رجال الدين، وهذه الحال يذكرها القرآن الكريم عن فريق من أهل الكتاب، {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78] ، هؤلاء كانوا يؤولِّون نصوص كتابهم ويلوونها ليًا ليصلوا منها إلى مُقرَّرات معيّنة، يزعمون أنها مدلول هذه النصوص وأنها تمثّل ما أراده الله منها، بينما هذه المقررات تُصادم حقيقة دين الله في أساسها معتمدين على أن كثرة السامعين لا تستطيع التفرقة بين حقيقة الدين ومدلولات هذه النصوص الحقيقية، وبين تلك المقرّرات المُفتَعلة المكذوبة التي يلجئون إليها إلجاءً» .

إنها الطامة الكبرى، وإنه المصاب الجلل حين يصبح ميراث النبوة ألعوبة في أيدي أمثال هؤلاء. إن العلم الذي هو ميراث محمد -صلى الله عليه وسلم- يجب أن يأخذه الوارث بحقه الذي ذكره الله -تبارك وتعالى- من وجوب بيانه للناس واضحًا جليًا لا لبس فيه ولا شبهة ولا غموض، وإلا فليدعه وليكن فردًا من عامة المسلمين فهو أسلم له عند ربه وأهون له عند حسابه؛ فإن الوعيد في هذا المقام تقشعّر له الجلود، وتضّطرب له القلوب إن كان فيها حبة خردل من إيمان {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159] . فما أنزله الله في كتابه وما جاء به رسوله -صلى الله عليه وسلم- سماه الله تعالى «بينات» والبيّن هو الواضح الذي لا خفاء فيه، والله تعالى بيّنه للناس في كتابه وهذا الصنف من البشر الذين قال فيهم عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (قلوبهم قلوب الذئاب في جثمان إنس) ، يكتمونه! يكتمونه مع كونه بيّنًا! وليس كتمانه بجعله قراطيس يُبدونها ويُخفون كثيرًا كما كانت تصنع اليهود! فهذا لا يستطيعونه بعد أن تكفَّل الله تعالى بحفظه من التحريف والتبديل، ووالله لو استطاعوا لفعلوا! فلا سبيل لهم إلا ما صنعه سلفهم من اليهود، لما قيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت