فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 229

لهم قولوا «حطة» فقالوا «حنطة» ولما قيل لهم اسمعوا فقالوا «سمعنا وعصينا» ولما كانوا يقولون «راعنا» من «الرعونة» لا من المراعاة ولما كانوا يقولون «السام» بدلًا من «السلام» ؛ إنه لَيُّ اللسان وتعويجه، وَلَيُّ أعنان النصوص لتروج على العامة السذّج من المسلمين ليحسبوه من الكتاب -وما هو من الكتاب- خدمة لأهواء الطواغيت البشرية التي تُعبد من دون الله تعالى اليوم، ولو أدى ذلك إلى أن يصير الحلال حرامًا والحرام حلالًا ما دام ذلك العَرَض من أعراض الدنيا يتحقق، وهي آفة كما يقول سيد -رحمه الله-: «لا تختص بهم أهل كتاب وحدهم، إنما تُبتلى بها كل أمة يرخِّص دينَ الله تعالى فيها من ينتسبون إليه حتى ما يساوي إرضاء هوى من الأهواء التي يعود تمليقها بَعَرض من أعراض هذه الأرض، وتفسد الذمة حتى ما يتحرَّج القلب من الكذب على الله، وتحريف كلماته عن مواضعها لتمليق عبيد الله ومجاراة أهوائهم المنحرفة التي تُصادم دين الله» .

إنّ الفراعنة الذين يحكمون الأرض في زماننا أدركوا حقيقة هامة، وهي أن أمة الإسلام حُكمت قرونًا طويلة بالسيف والقرآن، وأنّ أهل العلم كانت لهم مكانة رفيعة في قيادة الأمة وتوجيهها، ولو رجعت إلى شيء من قصص سلفنا لوجدت ما يشفي العليل ويروي الغليل؛ فالعالم من علماء سلفنا حينما يُذكر تقفز إلى ذهنك على الفور صورة مشرقة من الإيمان الذي لا يُزعزعه شيء على وجه الأرض، صورة من الصبر على البلاء والثبات والجهاد والبذل والتضحية بالأهل والمال والوطن، وما دام في الأمة أمثال هؤلاء فأنّى لهذه الفراعنة أن تعلوا علوّ الديدان في الأرض؟! وكان الحل يتمثل في أمرين:

-الأول: أن تُكمَّم أفواه الدعاة إلى الحق الذين يريدون القيام بواجب البلاغ وأن تُعلن الحرب عليهم {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} .

-أما الثاني: فهو أن يُخرج الطاغوت من مدارسه وجامعاته ومعاهده من يُبارك علمهم ليباركوا له مسيرته، وليكونوا أعوانه وسحرته، أدعياء علم ولا علم، ومُدَّعو فقه ولا فقه، حُمّلوا التوراة ثم لم يحملوها، فمَثَلهم كمَثَل الحمار يحمل أسفارًا، وإن قيل لهم شيوخ وأشياخ وشيخة وشيخان ومشيخة ومشيوخاء ومشايخ، منهم والله نماذج للضلال يصدُّون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا وهم بالآخرة هم كافرون، ووالله لقد كثروا -لا كثَّرهم الله- حتى لقد قال القائل:

لقد كثرت دُعاة الفقه حتى ... لقد غَلَبَ النَّهيقُ على الصَّهيلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت