العدد: (136) ، الخميس 26/رمضان/1416 هـ - الموافق لـ 15/ 2/1996 م
عن أبي ذر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (كما لا يُجتنى من الشوك العنب كذلك لا ينزل الفجار منازل الأبرار، وهما طريقان فأيهما أخذتم أدركتم إليه) حديث صحيح.
إن من الواجب على هذه الأمة أن تبيّن الفارق واضحًا بين المنزلين، وهي مهمة أوكلها الله تعالى لأهل العلم وحملة الفقه، ومتى قام العالم بدوره هذا فاعلم أن الله تعالى قد أراد به خيرًا، كما قال عليه الصلاة والسلام: (من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفقّهه في الدين) ؛ ووجود أهل العلم الذين يُفقِّهون هذه الأمة دينها هو من إرادة الله تعالى الخير لهذه الأمة، ومتى عُدم هؤلاء الربانيون فاعلم أنه نذير سوء والعياذ بالله. وهذا هو والله ما وقعت فيه هذه الأمة حيث ابتُليت بتجار الدين وبائعي الفقه، وما تكاد العين تقع على عالم إلا وهذا مثله، فيما عدا الندرة ممن عصم اللهُ مصداق قول نبينا -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتَّخذ الناس رؤوسًا جُهَّالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلُّوا وأَضَلوا) .
ولقد رأينا من هؤلاء من يأكل فتات الخبز بالدين بتوقيع الفتوى للسلاطين، فيكتب في حلّ الربا عامًا وفي حرمته عامًا! وفي حرمة الاستعانة بالكافر عامًا وفي حلّها بل وجوبها عامًا! وفي تكفير من لبس الصليب عامًا ثم يجعل لبسه من مصالح الدين عامًا! ورأينا منهم -لا أرانا الله وجوههم- من يجعل المذاهب المعاصرة الكافرة كالديمقراطية والاشتراكية وغيرها دينًا وإسلامًا! كما رأينا منهم -لا أراهم الله خيرًا- من يبارك الفجور والخنا وإشاعة الفاحشة بين الناس ثم هو بعد هذا كله يخلع على هذا الكفر رداء الدين ويُلبسه قميصه، وفي مثل هذا يقول سيد -رحمه الله-: «فماذا يكون هذا إلا مصداقًا لنبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين؟ وماذا يكون هذا إلا أن يكون المسخ الذي يحكيه الله سبحانه عن صاحب النبأ {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} [الأعراف: 176] . ولو شاء الله بما آتاه من العلم بآيته، ولكنه لم يشأ سبحانه؛ لأن ذلك الذي علم الآيات أخلد إلى الأرض واتَّبع هواه ولم يتَّبع