الآيات. إنه مَثَل لكل من آتاه الله من علم الله فلم ينتفع بهذا العلم ولم يستقم على طريق الإيمان، وانسلخ من نعمة الإيمان ليصبح ذليلًا تابعًا للشيطان ولينتهي إلى مرتبة المسخ في مرتبة الحيوان» اهـ.
ولقد قصّ الله تعالى هذه القصة في كتابه لأنها مثل لا ينقطع وروده ووجوده في كل زمان ومكان، وما هي محصورة في رجل ببني إسرائيل أو في جيل من الزمان، ولذلك أقرّ الله نبينا -صلى الله عليه وسلم- أن يتلو هذه على قومه كي لا ينسلخوا من دين الله بعد أن أُوتوه، كما قال تعالى: {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176] .
يقول سيد: «ولقد رأينا هؤلاء -والعياذ بالله- في زماننا هذا من كان كأنما يحرص على ظُلم نفسه، أو كمن يعضّ بالنواجذ على مكان له في مقر جهنم يخشى أن يُنازعه إياه أحد من المتسابقين معه في الحلبة!، فهو ما يني يُقدّم كل صباح ما يُثبّت به مكانه هذا في جهنم، وما يني يلهث وراء هذا المطمع الدنيوي لهاثًا لا ينقطع حتى يفارق هذه الحياة الدنيا» .
والذي يجب أن نُبيّنه لهذه الأمة وما يجب أن تَعِيَه طليعة هذه الأمة المباركة هو أن وجود هؤلاء اللاهثين المنسلخين من آيات الله يمثل عقبة كؤودًا في طريق الدعوة إلى الله ينبغي عليهم أن يجتازوها باستئصالها وتعريتها وفضحها للناس، اقتداءً بالقرآن الكريم في تعرية أحبار السوء ورهبان الشرور؛ كي تتهيأ هذه الأمة لمهمتها العظيمة في قيادة البشرية وتحكيم شريعة رب البرية.
إن هؤلاء الذين أُوتوا العلم وانسلخوا منه هم الستار الذي يحجب عن الأمة قُبح هؤلاء الطغاة وكفرهم، والقرآن كما يقول سيد قطب -رحمه الله-: «يُحذّر من التشكيلات التي تتّخذ ستارًا إسلاميًا وفي حقيقتها إضرار بالإسلام {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} [التوبة: 107] ، لقد اتُخذ مسجد الضرار على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكيدة للمسلمين، لا يُراد به إلا الإضرار بالمسلمين وإلا الكفر بالله، وإلا ستر المتآمرين على الجماعة المسلمة الكائدين لها في الظلام، وإلا التعاون مع أعداء هذا الدين على الكيد له تحت ستار الدين. وليعرف الدعاة في كل زمان وفي كل مكان أن هذا المسجد ما يزال يُتَّخذ في صور شتى تلائم ارتقاء الوسائل الخبيثة التي يتخذها أعداء هذا الدين، تُتَّخذ في صور نشاط ظاهرة للإسلام وباطنه لسحق الإسلام أو تشويهه أو تمويهه وتميعه» .