العدد: (131) ، الخميس 21/شعبان/1416 هـ - الموافق لـ 11/ 1/1996 م
الحمد لله رب العالمين، وأصلّي وأسلّم على عبده ورسوله محمد الهادي الأمين، وبعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله وتعالى، وخير الهدي هدي محمد -عليه الصلاة والسلام-، وما نهضت هذه الأمة من تشتتها وضلالها إلا بالتمسك بهذه العروة الوثقى (كتاب الله وسنة نبيه المصطفى) عليه الصلاة والسلام. وما ضلّت وتمزقت وصارت نهبًا للأمم إلا عندنا تخلت بأغلبيتها عن هذه العروة الوثقى، وفسدت بفساد الدعامتين الأساسيتين لهذه الأمة وأعني (أهل القرآن وأهل السلطان) ، فكما في قول عثمان -رضي الله عنه-:"إن الله يَزَعُ بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"؛ فإذا فسد أهل السلطان وصاروا أئمة للضلال والفجور والانحراف، ثم فسد أهل القرآن فلم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر وتهافتوا على موائد السلطان وفتات الأمراء؛ فمن ذا الذي يزع الدَّهماء بما أمر الله ويهديهم سبيل الرشاد؟ ومن ذا الذي يرد الحقوق ويدفع المظالم ويعبدُّ العباد وفق منهج ربهم ويسوقهم لسعادة دنياهم وآخرتهم؟؟
لقد فسدت دنيا المسلمين لأن دينهم فسد! ورحم الله الزاهد العالم المجاهد عبد الله بن المبارك عندما قال:
وهل أفسدَ الدِّينَ إلا الملوكُ ... وأحبارُ سُوْءٍ ورُهبانُها
لقد انحدرت أمتنا وظهرت فيها أسباب البلاء منذ مئات السنين بفساد هذين الصنفين، وتكاد لا تقع في القرون الأخيرة من تاريخها إلا على بقع مضيئة نادرة هنا وهناك حفظ الله بها دين الأمة وحضارتها، وتتالى الانحدار، ثم دُمِّر الكيان السياسي الرمزي الذي بقي لهذه الأمة وأعني (الخلافة) ، وبذلك نُقضت عروة الدين الأولى حتى بشكلها الاسمي وانفلتت باقي العرى كما أخبر بها نبينا -عليه الصلاة والسلام-: (تنتقض عرى الإسلام عروة عروة، فأولها الحكم وآخرها الصلاة) ، ودخلت هذه الأمّة أنفاق هذا التيه المظلم، وراحت تلفُّ وتدور في متاهاته.
لقد كان على هذه الأمة أن تجاهد أسباب البلاء، ولكن عامة أهل القرآن قعدوا عن قيادة الناس وضَرْبِ المثل لمواجهة فساد أهل السلطان، وصار لسان حال الدهماء مع كل داعٍ قام يُنذر ويدعو إلى الله؛ كما كان حال بني إسرائيل مع