فلا كل الوقود كنار موسى ... ولا كل الفواطم كالبتولِ!
إنه والله ذهاب العلم بذهاب العلماء، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتَّخذ الناس رؤساء جُهَّالًا فسئلوا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) .
لقد صار الدين عند هؤلاء مهنة من المهن يقتات بها دَعيُّ العلم من فتات موائد السلاطين أو يلعق به ما تبقى في راحتيه من حطام زائل قذر، أجل فالواحد من هؤلاء إذا ذكرته قفزت إلى ذهنك صورة الجشع الطماع الحريص على الدنيا صاحب البطن الذي لا يشبع، من يستخدم علمه في التحريفات المقصودة والفتاوى المرغوبة لسلطان الأرض وطاغوت الزمان، فسبحان من قسمهم فريقين: فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة، فريقًا آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم وفريقًا ضلوا وأضلوا {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ؟
يقول سيد -رحمه الله-: «إن آفة رجال الدين حين يصبح الدين حِرفة وصناعة لا عقيدة حارة، إنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، يأمرون بالخير ولا يفعلونه، ويدعون إلى البِر ويُهملونه، ويُحرِّفون الكَلِم عن مواضعه ويؤولِّون النصوص القاطعة خدمةً للغرض والهوى، ويجدون فتاوى وتأويلات قد تتَّفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص ولكن تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين؛ لتبرير أغراض وأهواء لمن يملكون المال أو السلطان» .
إنني والله لا زلت أعجب من أمثال هؤلاء تجار الدين وبائعي العلم! والعجب أشد ممن يمجدهم ويعظهم ويخلع عليهم أوصاف العلماء وينعتهم بنعوت الصالحين كيف لم يقرأوا مثل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 174، 175] .
إنَّ أوجب ما يجب على طائفة الحق اليوم أن تُعرّي هؤلاء أمام الناس وأن تفضحهم على رؤوس الأشهاد، وأن تُبيّن للناس غواياتهم وضلالتهم ليحذرهم كل مؤمن موحد وليبغضهم لبغض الله تعالى لهم، كما قال عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: (إن الله يُبغض كل عالم بالدنيا جاهل بالآخرة) .
وهؤلاء لم يكن هذا حالهم لو كانوا يُقيمون للقاء الله وزنًا أو يعملون للآخرة حسابًا، بل هم كما وصفهم سبحانه بقوله: {كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ} . فاللهم السلامة السلامة.