وكيف فرض الفكر الجهادي المؤصّل نفسه وعلت رايته، وانكفأت كلّ تلك التيارات المقعدة تبحث عن جحور تَسْتُر بها عوارها؛ لأنّ الساحة هناك كانت ساحة عمل وجهاد، ميّزتها الجرأة والتحرّر من هيمنة أجهزة المخابرات والمؤسّسات الرسميّة، فجاء الحقّ وزهق الباطل.
وها نحن اليوم نعود لنواجه نفس المشكلة، وسيواجهها كل مجاهد وكل صادع بالحق عندما يعلن رايته ويطرح منهجه، فيهدّد مناهج الرويبضات الذين سيطروا على العمل الإسلامي ردحًا غير قليل من الزمن، إنّها نفس المعركة التي ما زالت رحاها تدور منذ أيّام نوح، وما تلاها من محن الأنبياء -عليهم جميعًا وعلى نبيّنا الصلاة السلام-، بين دعاة الحق الجديد المُتميّز ودعاة {إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} .
فكيف بنا وقد أضلّتنا السنوات الخادعات، قال صلى الله عليه وسلم: (سيأتي على الناس سنوات خدّاعات يُصَدَّق فيها الكاذب ويُكذَّبُ فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة) .
أيها الإخوة الكرام: إنها نفس القضية ترويها كتب التاريخ في كافّة الأمم؛ كان الناس في قديم الزمان قبائل تائهة كالتي نراها اليوم في قلب إفريقيا، فثمّة شيخ قبيلة يحكم قطيعًا من الغوغاء، فرأيناه دائمًا وإلى جانبه الكاهن الساحر، يُهيّج النار والطبول ويُدير الطقوس ويضفي على رئيس القبيلة الشرعيّة، ليحصل له على الطاعة العمياء.
تطوّرت البشريّة، وها هو القرآن الكريم يقُصّ علينا قصة فرعون لمّا أراد مواجهة موسى -عليه السلام- قال له مستشاروه: {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} وهكذا كان، فرعون وساحر.
ثم دخلت النصرانية على الروم، ومكثت الإمبراطورية الرومانيّة بطولها وعرضها والسلطة فيها بين ملك يزعم أنه ظلّ الله في الأرض، وبابا يتربّع في الفاتيكان يؤكّد له هذه السلطة، فكان الحلف الخبيث بين الملوك والباباوات، وسيطرت نظرية الحق الإلهي المقدس، وحكمت أوربا قرونًا معتمة، ذاقت فيها البشرية الويلات حتى ثار الناس على الملك وحطّموا سلطته، ولم يكتفوا بذلك، فحطّموا سلطة البابا، ولم يقفوا حتى أَبِقُوا من مدرسة الإيمان فكفروا بالملك والبابا وفاتيكانهم وبربّهم بعد ذلك، تعالى الله عمّا يقولون ويفعلون.
ثم جاء الإسلام، وكان من أسمى ميزاته أن الرابطة الإيمانيّة بين العبد وربه لم تكن تحتاج لوساطة، لقد كان الدين الوحيد الذي لا يحتاج فيه المؤمن حتى يصل إلى ربه أن يمر عبر الكهنوت، ولم تعرف مذاهب الإسلام هذا السلّ الفكري إلا