هذا الجيش لأربع وعشرين ساعة على مدار الليل والنهار رجالًا ونساءً في الشارع وحتى داخل الأُسَر، ووصلوا حتى لتوجيه العجائز إلى كيفيّة التصويت وعدم الضياع بين الأسماء والأرقام في القوائم!! لقد كان جهدًا مذهلًا جعل أعضاء الإنقاذ ومؤيديهم يتحركون كخلية نحل متناسقة، وكأسراب نمل منتظمة منضبطة لتحقيقي الهدف.
ولا يحتمل أسلوب المقال التفصيل في هذه التجربة الرائعة تنظميًا وأسلوبًا (رغم انحرافها وضلالها) ، وهذا أمر آخر وسنُفصِّل فيه عندما نُحوّل هذه السلسلة إلى كتاب مستقل قريبًا -إن شاء الله-.
والمؤكد أن النتيجة الانتخابية الناجحة على مستوى البلديات وعلى مستوى الانتخابات الولائية ضمن تحقيقها الأسلوب الجبهوي، هذا مع توفير الظرف السياسي الخاص في الجزائر الذي جعل الدولة تُقامر بدخول التجربة، بالإضافة لعوامل نجاح محليّة وإقليميّة ودوليّة لا محل لتفصيله كلها، جعلت النجاح ديمقراطيًا حتميًا، وهذا ليس بإمكان حزب (إسلامي) آخر تحقيقه تحت أي ظرف آخر مختلف.
2 -إن أسلوب الإسلامي (الجبهوي) على طريقة الإنقاذ محكوم عليه شرعًا وقدرًا وواقعًا بالتصدُّع والانحلال نتيجة عدم التجانس، وبالتالي محكوم عليه بالفشل والتحلل كتجمع؛ لأنه يعتمد الرُكام العددي وليس النوع النخبوي.
لا ينكر أي باحث منصف أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ قامت من الناحية الفكرية على مزيج من الأفكار والمناهج والتصوُّرات التي لا يجمعها إلا اسم (إسلاميّة) !! الفضفاض جدًا هذه الأيام لدى الحركات ومفكري العمل المسمّى (إسلامي) ، فقد ضم هذا التيار بعض خريجي (التيّار الإخواني) المحلِّي (جاب الله) ، والدولي (النحناح) ومن تركوا جماعتهم، بالإضافة للفكر (السلفي الحركي) ممثلًا بعلي بلحاج -فرج الله عنه- مرورًا ببعض رموز المدرسة المسمّاة (الجهاديين) ، بل وحتى من ينسبون إلى (الغلاة المتشددين) ، بالإضافة (للحركيين الإسلاميين) كعباسي مدني -فرج الله عنه-، وكما ذكرنا لولا أن (النحناح) و (جاب الله) رفضا الانضمام للجبهة حسدًا من عند أنفسهم لَضَمَّهُم هذا السيل الهادر، الذي حمل وجمع وتراكم في وادي العمل الإسلامي ..
وإذا علمنا أن الجزائر كانت مثل معظم البلاد الإسلامية تحتوي تيارات متشابكة بعضها محلي (كالجزأة) التي يحمل أقطابها أفكار مالك بن نبي -رحمه الله وغفر له- هذا من الناحية الفكريّة، حيث صار مقبولًا أن يُصرِّح عباسي مدني خلال لقائه بوزير خارجية إيران قائلًا:"إن المصباح الذي أضاءه الإمام الخميني نوَّر قلوبنا جميعًا ( .. ) إننا نعتقد أن الثورة الإسلامية في إيران ستنقذ الأمة الإسلامية بل البشرية جمعاء"..."، إن الشعب الجزائري على أهب الاستعداد"