الحمد لله الذي علا على جميع خلقه، واستوى على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته، وخلق الجنة ليجزي بها عباده المؤمنين بحكمته، وجعل جنة الفردوس أعلاها وأفضلها، وجعل عرشه العظيم سقفها، وبجواره وقربه شرفها، وبأفضل وأكمل أنواع النعيم ملأها، وبيده الكريمة غرس كرامتها.
ثم الصلاة والسلام، على نبينا محمد الهادي إلى طريق دار السلام، الذي أنار للبشرية سبل السلام، وأخرجها إلى الهدى والنور بعد التيه والظلام.
أما بعد:
فإن الله تعالى الحكيم الحكم العدل خلق الخلق لعبادته، وأوجدهم لطاعته، ولم يجعل خلقه ولا عبادته صنفا واحدا بل صنف خلقه أصنافا في الخلق وفي الدين وصنف عبادته وطاعته أصنافا عدة ومتنوعة ومختلفة، فصنفهم في الخَلق أصنافا، فمنهم الطويل والقصير، والجسيم والنحيل، والأبيض والأسود، وصنفهم أيضا في الخُلق أصنافا، فمنهم الكريم والبخيل، والشجاع والجبان، والعاقل والجاهل، وكما اختلفوا في خَلقهم وخُلقهم كذا اختلفوا في أعمالهم وطاعاتهم وعبادتهم كما وكيفا على اختلاف العبادات وتنوعها، فمنهم السابق المكثر فيها، ومنهم المقتصد فيها، ومنهم الظالم لنفسه والمقصر فيها، فلم يجعلهم سبحانه على مرتبة واحدة في العمل، وبناء على اختلاف أعمالهم سيختلف عند العدل الحكيم جزاؤهم ولابد، فقد أعد الله تعالى لعباده الجنة جزاء على أعمالهم، وجعلها درجات متفاوتة بناء على اختلاف أعمالهم وما قدموه لأنفسهم، ففي جنة عرضها السموات والأرض هناك ربض (أي أسفل وأساس الجنة) ووسط وأعلى، فلما اختلفوا في العمل والعبادة اختلفوا في الجزاء، فكلما علا العمل وعظم كلما علت الدرجات، وكلما علت الدرجات كلما علا النعيم واللذات والخصائص، وكلما قصَّر الشخص في العمل وقلَّ عمله كلما سفلت منزلته في الجنة، وكلما سفلت منزلته كلما صار النعيم أقل من الذي فوقه وهكذا، وهذا الأمر سارٍ في المؤمنين أجمعين.