وقد جعل الله تعالى أعلى درجة في الجنة الفردوس الأعلى، وجعل فيها من النعيم واللذات والخصائص ما لا يحيطه الخبر والوصف كما سيأتي إن شاء الله، وجعل أهله أفضل الناس والخلق.
قال ابن القيم في الحادي: (وقد اتخذ الرب وتعالى من الجنان دارا اصطفاها لنفسه، وخصها بالقرب من عرشه، وغرسها بيده، فهي سيدة الجنان، والله سبحانه وتعالى يختار من كل نوع أعلاه وأفضله، كما اختار من الملائكة جبريل، ومن البشر محمدا، ومن السموات العليا، ومن البلاد مكة، ومن الأشهر الأشهر الحرم، ومن الليالي ليلة القدر، ومن الأيام يوم الجمعة، ومن الليل وسطه، ومن الأوقات أوقات الصلوات إلى غير ذلك، فهو سبحانه وتعالى:(يخلق ما يشاء ويختار ) ) انتهى.
ولما كانت الجنة سلعة الله الغالية، وكان الفردوس الأعلى فيها بهذه المنزلة، كان حقيقا بأن يطلب وأن يتعب في سبيل تحصيله، وأن يتكلم ويخبر عنه وأن تؤلف فيه الكتب، وتلقى فيه الخطب، وتقام لأجله المحاضرات والندوات، ولما لم أجد كتابا في الساحة يختص بالكلام على الفردوس الأعلى - جعلنا الله من أهله - وهو حقيق بذلك، استخرت الله تعالى في تأليف هذا الكتاب في الفردوس الأعلى، وما يتعلق به، تحريضا للخلق كما حرض محمد صلى الله عليه وسلم من قبل على طلبه وسؤاله من الله تعالى، لعل الله تعالى يجود به على سائله وطالبه.
وقد قسمت الكتاب إلى الأبواب الآتية:
الباب الأول: تعريف الفردوس لغة وشرعا.
الباب الثاني: الجنة سعتها ودرجاتها.
الباب الثالث: أسماء الفردوس الأعلى.
الباب الرابع: فضائل وخصائص الفردوس الأعلى.
الباب الخامس: سبل الوصول إلى الفردوس الأعلى.