المؤمنون يتفاوتون في أعمالهم ومراتبهم، فكلما علت الدرجة والمرتبة كلما قل أهلها، فالمسلمون كثير وأهل الصلاح فيهم قليل، والشهداء الذين هم أرفع مرتبة من أهل الصلاح بالنسبة لأهل الصلاح قليل، والصديقون الذين هم أرفع مرتبة من الشهداء بالنسبة للشهداء قليل، والنبيون الذين هم أرفع رتبة من الصديقين بالنسبة للصديقين قليل، والرسل الذين هم أرفع رتبة من النبيين بالنسبة إلى النبيين قليل، وأفضل الرسل أولوا العزم، وهم خمسة فقط، وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم، وقد سبق أن ذكرنا أن الفردوس الأعلى هو مسكن الأنبياء والصديقين والشهداء، وهم أقل الناس كما ذكرنا سابقا، فيكون الفردوس الأعلى أقل الجنة سكانا، فلا يصل إلى الفردوس إلا الصفوة المختارون من البشر.
ومما يدل على قلة أهل الفردوس على غيرهم من عامة أهل الجنة، قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة 10 - 14] وقد سبق أن المقربين هم أهل الفردوس، وقال تعالى في أصحاب اليمين بعد ذلك {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة 39 - 40] والثلة الجماعة، فأفاد أن المقربين ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، وأن أصحاب اليمين كثير عددهم في الأولين والآخرين.
واختلف في معنى الأولين والآخرين هنا: فقيل المراد الأولين من الأمم السابقة، والآخرين هذه الأمة.
وقيل المراد الأولين من هذه الأمة، وقليل من الآخرين أي آخر هذه الأمة والله أعلم.
فأهل الجنة ينظرون إلى ساكني الفردوس الأعلى بأنهم أشرف أهل الجنة، لما يرون لهم من الفضائل والخصائص ما شرفوا به على غيرهم من أهل الجنة، وعلا به ذكرهم عند باقي أهل الجنة، فإذا اجتمع أهل الجنة للزيارة تبين فضل ساكني الفردوس وشرفهم على غيرهم في منابرهم وفي لباسهم وفي قربهم من الله تعالى كما في حديث يوم المزيد السابق فإن فيه (قال