وَخَرَّجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَمِيلَةَ، نا عَبْدُ اللهِ، حَدَّثَنَا مَا سَمِعْنَا حَدِيثًا، هُوَ أَحْسَنَ مِنْهُ إِلَّا كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرِوَايَةً عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: قَالَ:"إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمُ اخْتَرَعُوا كِتَابًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمُ اسْتَهْوَتْهُ قُلُوبُهُمْ، واسْتَحْلَتْهُ أَلْسِنَتُهُمْ، وَكَانَ الْحَقُّ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ شَهَوَاتِهِمْ حَتَّى نَبَذُوا كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ"فَقَالَ:"اعْرِضُوا هَذَا الْكِتَابَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِنْ تَابَعُوكُمْ عَلَيْهِ فَاتْرُكُوهُمْ، وَإِنْ خَالَفُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ"قَالَ:"لَا بَلِ ابْعَثُوا إِلَى فُلَانٍ رَجُلٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَإِنْ تَابَعَكُمْ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ، وَإِنْ خَالَفَكُمْ فَاقْتُلُوهُ، فَلَنْ يَخْتَلِفَ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَهُ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ، فَأَخَذَ وَرَقَةً فَكَتَبَ فِيهَا كِتَابَ اللهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي قَرَنٍ ثُمَّ عَلَّقَهَا فِي عُنُقِهِ ثُمَّ لَبِسَ عَلَيْهَا الثِّيَابَ، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَعَرَضُوا عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَقَالُوا: أَتُؤْمِنُ بِهَذَا ؟ فَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ - يَعْنِي الْكِتَابَ الَّذِي فِي الْقَرَنِ - فَقَالَ: آمَنْتُ بِهَذَا، وَمَا لِي لَا أُومِنُ بِهَذَا ؟ فَخَلُّوا سَبِيلَهَ قَالَ: وَكَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَغُشُّونَهُ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَتَوْهُ فَلَمَّا نَزَعُوا ثِيَابَهُ وَجَدُوا الْقَرَنَ فِي جَوْفِهِ الْكِتَابُ، فَقَالُوا: أَلَا تَرَوْنَ إِلَى قَوْلِهِ: آمَنْتُ بِهَذَا، وَمَا لِي لَا أُومِنُ بِهَذَا ؟ فَإِنَّمَا عَنَى بِهَذَا هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي فِي الْقَرَنِ، قَالَ: فَاخْتَلَفَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، خَيْرُ مِلَلِهِمْ أَصْحَابُ ذِي الْقَرَنِ"، قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَإِنَّ مَنْ بَقِيَ مِنْكُمْ سَيَرَى مُنْكَرًا، وبِحَسْبِ امْرِئٍ يَرَى مُنْكَرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ أَنْ يُعْلِمَ اللهَ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ لَهُ كَارِهٌ" [1] ."
فَهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فِرْقَةً كَانَتْ عَلَى الْحَقِّ الصَّرِيحِ فِي زَمَانِهِمْ ، لَكِنْ لَا أَضْمَنُ عُهْدَةَ صِحَّتِهِ وَلَا صِحَّةَ مَا قَبْلَهُ [2] .
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَرِقَّةٌ نَاجِيَةٌ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ فِرْقَةٌ نَاجِيَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى رِوَايَةِ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ ، أَوْ فِرْقَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى رِوَايَةِ الْإِحْدَى وَالسَّبْعِينَ ، فَيَكُونُ لَهَا نَوْعٌ مِنَ التَّفَرُّقِ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ
(1) - شعب الإيمان - (10 / 72) (7183 ) صحيح
(2) - قلت: قد صحَّا