قال له مسلمة: ما سلمت في ذلك من ذعر ينبِّه على حيلة، ولم يغشني فيها ذعر سلبني رأي.
قال هشام: هذه هي البسالة.
فالشجاعة _إذًا_ هي مواجهة الخطر أو الألم أو نحو ذلك عند الحاجة في ثبات، وليست مرادفة لعدم الخوف كما يظن بعض الناس.
فالشجاعة لا تعتمد على الإقدام والإحجام فحسب، ولا على الخوف وعدمه.
بل ليس بالمحمود أن يتجرد الإنسان من كل خوف؛ فقد يكون الخوف فضيلة، وعدمه رذيلة؛ فالخوف عند الإقدام على أمر مهم تتعلق به مصالح الأمة، أو يحتاج إلى اتخاذ قرار حاسم فضيلةٌ؛ وأي فضيلة؛ إذ هو يحمل على الرويَّة، والتأني، والتؤدة؛ حتى يختمر الرأي، وينضج في الذهن؛ فلا خير في الرأي الفطير، ولا الكلام القضيب _المرتجل_.
والعرب تقول في أمثالها:"الخطأ زاد العجول" (38)
كما أنها تمدح من يتريث، ويتأنى، ويقلب الأمور ظهرًا لبطن، وتقول فيه:"إنه لحوُّل قُلَّب".
ولهذا تتابعت نصائح الحكماء على التريث خصوصًا عند إرادة الإقدام على الأمور العظيمة المهمة، قال المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعانِ *** هو أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس مِرَّةٍ *** بلغت من العلياء كل مكانِ (39) .
وقال:
وكل شجاعة في المرء تغني *** ولا مثل الشجاعة في الحكيم (40) .
وبالجملة فالشجاع ليس بالمتهور الطائش الذي لا يخاف مما ينبغي أن يخاف منه، ولا هو بالجبان الرعديد الذي يَفْرَقُ من ظله، ويخاف مما لا يخاف منه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله:"والشجاعة ليست هي قوةَ البدن؛ فقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف القلب، وإنما هي قوة القلب وثباته، فإن القتالَ مدارُه على قوة البدن، وصنعته للقتال، وعلى قوة القلب، وخبرته به."