قال ابن عباس: [أولي القوة في طاعة الله، والمعرفة بالله] .
وقال الكلبي: [أولي القوة في العبادة، والبصر فيها] .
وقال مجاهد: [الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر في الحق] .
وقال سعيد بن جبير: [الأيدي: القوة في العمل، والأبصار: بصرهم بما هم فيه من دينهم] .
وقد جاء في حديثٍ مرسل: (( إن الله يحبُ البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات ) ) [5] .
فبكمال العقل والصبر تدفع فتنة الشهوة، وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة الشبهة- والله المستعان" [6] ا. هـ."
وبعد هذا الكلام النفيس من هذين الإمامين الجليلين، والذي لا مزيدَ عليه في ذكر أسباب الفتن، نجد التطابق التام في كلاميهما من ناحية المعنى والمضمون، بل في بعض الألفاظ أحيانًا.
ويمكن تلخيص هذه الأسباب فيما يلي:
1_ ترك الحق وعدم السعي للعلم به، أو عدم إصابته بسبب شبهة
أو تأول فاسد؛ ومن هنا تنشأ الفتنة بسبب الجهل أو الفهم الفاسد.
وهذا ما عبر عنه شيخ الإسلام- رحمه الله تعالى- بقوله: (ترك الحق) ، وعبر عنه الإمام ابن القيم- رحمه الله تعالى- بقوله: (فتنة الشبهات من ضعف البصيرة وقلة العلم) وقوله في موطن آخر من النقل السابق: (وهذه الفتنة تنشأ تارةً من فهمٍ فاسد، وتارةً من نقلٍ كاذب، وتارةً من حقٍ ثابت خفي على الرجل فلم يظفر به) ويقول أيضًا عن هذه
الفتنة: (وأصل كل فتنة إنما هو تقديم الرأي على الشرع، والهوى على العقل. فالأول: أصل فتنة الشبهة، والثاني: أصل فتنة الشهوة) .
2_ ترك الصبر: وهذا هو السبب الثاني من أسباب الفتن، ولكن أصل الفتنة هنا لم يأت من الجهل بالحق، أو تقديم الرأي على الشرع، أو الشبهة المشوشة على الحق، وإنَّما أصلُ الفتنة في هذا السبب هو عدمُ الصبر على الحق. فصاحب هذه الفتنة لا ينقصهُ العلم بالحق، بل يعلمه ولا يجهله، ولكنه تركه ضعفًا وشهوة وهو يعلم من نفسه أنَّه تاركٌ للحق، وهذا