بِمَقَامِ الرُّبُوبِيَّةُ وَالأُلُوهِيَّةِ، مَعْرِفَةٌ باللهِ تَعَالَى رَبًّا حَكِيمًا وإِلهًا مُدَبِّرًا، مُعَظَّمًا في أَمْرِهِ ونَهْيِهِ، قَدْ عُمِرَتْ قلوبُهُم بِخَوفِهِ ومُرَاقَبَتِهِ، وامْتَلأَتْ نُفُوسُهُمْ خَشْيَةً وإِجْلاَلًا ومَهَابَةً ومَحَبَّةً وتَوَكُّلًا ورَجَاءً وإِنَابَةً ودُعَاءً، أَخْلَصُوا للهِ في القَصْدِ والإِرَادَةِ، ونَبَذُوا الشِّرْكَ كُلَّهُ، وَتَبَرَّؤُوا مِنَ التَّعَلُّقِ بغَيرِ اللهِ رَبِّهِم، ثُمَّ اسْتَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ، دُونَ تَفْرِيطٍ أَو إِفْرَاطٍ، فَإِذَا تَمَكَّنَ ذَلِكَ مِنَ العَبْدِ ظَهَرَ في سُلُوكِهِ طُمَأْنِينَةٌ في النَّفْسِ وَرِقَّة في القَلْبِ وقُرْب مِنَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
سُئِلَ الصِّدِّيقُ عَنِ الاِسْتِقَامَةِ فَقَالَ: (أَن لاَّ تُشْرِِكَ باللهِ شَيئًا) ، يُرِيدُ الاسْتِقَامَةَ عَلَى مَحْضِ التَّوحِيدِ والإيمَانِ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ:"مَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بأَمْرٍ إِلاَّ وَللشَّيطَانِ فِيهِ نَزْعَتَانِ: إِمَّا إِلَى تَفْرِيطٍ، وإِمَّا إِلَى مُجَاوَزَةٍ وَهِي الإفْرَاطُ، وَلاَ يُبَالِي بأيِّهِمَا ظَفِرَ زِيَادَةٍ أَو نُقْصَانٍ".
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، بالاسْتِقَامَةِ يَجِدُ المُسْلِمُ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ وَطُمَأْنِينَةَ القَلْبِ وَرَاحَةَ النَّفْسِ وَالبَالِ؛ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الزمر: 22] ، أَوَمَنْ كَانَ مَيتًا فَأَحْيَينَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: 122] .
وَمَا أَجْمَلَ الاسْتِقَامَةَ عَلَى العَمَلِ الصَّالِحِ وَالتَّوبَةِ وَالإِنِابَةِ وَالازْدِيَادِ مِنَ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَمَا أَعْظَمَهَا حِينَ تَكُونُ بَعْدَ الطَّاعَةِ؛ فَهَذِهِ حَالُ المُؤْمِنِ الصَّادِقِ فِي إِيمَانِهِ، الذِي لاَ يَغْتَرُّ بِمَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ، وَلاَ يَرْكَنُ إِلاَّ إِلَى رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى وَفَضْلِهِ؛ لأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ عَمَلَهُ فِي جَنْبِ مَعَاصِيهِ وَغَفْلَتِهِ عَنِ اللهِ تَعَالَى قَلِيلٌ، وَأَنَّهُ مَهْمَا عَمِلَ فِي جَنْبِ نِعَمِ اللهِ عَلَيهِ وَفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ وَسِتْرِهِ فَلَنْ يُوَفِّيَ ذَلِكَ كُلَّهُ بَعْضَ حَقِّهِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ مِنَ المُتَّقِينَ؛ إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون: 57-61] .
وَفِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: (( لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ ) )، قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: (( وَلاَ أَنَا، إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ،