وأول أعدائه النفس الأمارة بالسوء، يجاهدها بأربعة أمور:
بالعلم الشرعي الذي أرسل الله به رسوله ورفع درجات أهله وجعله الميراث الذي ورثه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنهم لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، وجعله الطريق الذي يوصل إلى الجنة، وأهله لا يشبعون منه كما في قول ابن عباس: (منهومان لا يشبعان: طالب دنيا وطالب علم) ، وجعله مانعًا لأهله من اللعنة، يقول: (( الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه أو عالما أو متعلمًا ) ). والعلم نور لأهله وحجة لهم، لا يناله إلا الأخيار الأتقياء، ويقول: (( من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين ) )ويقول: (( خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ) ).
ويجاهدها بالعمل الصالح، فإنه أمر الله لرسله عليهم السلام ولأممهم، وهو وظيفة الدنيا وحسنة الآخرة، وهو خير زاد يتزود به العبد، وخير لباس يتزين به، وهو الصديق عند الضيق، وهو الذي يضاعف الله به الحسنات، ويغفر به السيئات، ويرفع به الدرجات، وتحفظ به الأوقات، وهو الربح من الدنيا والآخرة، وهو الذي يحفظ القلوب من أمراضها والألسن من آفاتها، يفتح الله به أبواب الخير، ويغلق أبواب الشر.
ويجاهدها بالدعوة إلى الله تعالى، فإنها أمر الله لرسوله وأمره لأوليائه، وهي أحسن القول، وأهلها هم أهل الجمال، وأكثر الناس أجرًا، وأكثر المخلوقات محبة للخالق والخلق، وبذلها أولى من بذل المال، يقول: (( إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في حجرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير ) ).
ويجاهدها بالصبر؛ لأنه النصر على النفس وعلى الأعداء، وهو خير لجام لها وهو صفة أهل الجنة، يقول الله تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ [سورة العصر] .
وثاني أعدائه الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم، والذي وقف للإنسان بكل طريق، وأتاه من كل جهة، وأقسم أن يغويه، وطلب الإنظار إلى يوم الدين ليواصل الحرب للإنسان، وليضله عن سواء السبيل، عداوته ظاهرة بينة، يدعو إلى المعصية، ويحذر من الطاعة، لا يزال مع الإنسان حتى الموت، فإما أن يسلسل الإنسان، وإما أن يسلسله