زهدوا فيها وانقطعوا عن الاشتغال بأمر هذه الحياة، ولكن زهادتهم أوقعتهم في أنهم تركوا مصالح أنفسهم وانعزلوا عن الناس وعما الناس فيها وأضاعوا من تحت أيديهم، فلم يكتسبوا ما يغنون به أنفسهم وأضاعوا أولادهم دون أن يعطوهم ويكسوهم أو يرزقوهم، وما أشبه ذلك. فهؤلاء أيضا مخلون مقصرون. والأمر وسط بين ذلك. وهو أن الإنسان يطلب من الدنيا الكفاف والقوت، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا"أي لا إفراط ولا تفريط. فلا ينقطع عن الدنيا انقطاعًا كليًا بحيث يضيع نفسه، ويعرض نفسه للحاجة والتكفف وسؤال الناس، ويعرض أهله للجوع والضنك وضيق المعيشة. ولا يجعل همه كله مكبًا على الدنيا صارفا فيها هواه وأوقاته وحياته وناسيا آخرته وناسيًا الأعمال التي تقربه إلى الله. لا هذا ولا ذاك. بل يشتغل لدنياه بقدر. ويشتغل لآخرته بقدر. ولا يبالغ في محبة الدنيا، المحبة التي تنسيه الآخرة، ولا يبالغ في التقصير فيها، التقصير الذي ينسيه حظ نفسه الذي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن لنفسه حقا. فهذا أيضًا مثلٌ للغلو والجفاء، والإفراط والتفريط.
رابعًا:- ومن الأمثلة من هذا القبيل في كثر من المعاملات أن كثيرًا من الناس يتعاملون ويتوسعون في بعض المعاملات لا يبالي أحدهم بأية معاملة، سواء كان غشا، أم ربا، أم زيادة على غيره ما أنزل الله بها من سلطان، فمثل هؤلاء قد زادوا وتوسعوا في بعض المعاملات، فأفرطوا وتوسعوا بحيث يظن أنهم لا يعتقدون أن هناك معاملة حرامًا، فعندهم الغش، والزيادة على المسلم وإيقاعه فيما يكتسبون من ورائه مالًا كل ذلك جائز ومباح لهم، يبيحون لأنفسهم ما لم يبح لهم الشرع، بينما هناك من تشدد في باب المعاملات فامتنعوا عن أشياء أباحها الله، فامتنعوا عن البيع الذي أباحه الله، وامتنعوا عن الإجارة التي أباحها الله وامتنعوا عن التكسب والعمل الذي أباحه الله، واعتقدوا أن ذلك ممنوع، فوقعوا في التقصير والنقص، وأولئك وقعوا في الزيادة والغلو، والإفراط، وخير الأمور أوسطها، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
الخاتمة