فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 366

وصدقوا الرسول الذي جاء به، كان حقًا عليهم أن يطبقوه أتم تطبيق، وأن يعملوا به، وأن يكونوا في العلم به عارفين بأحكامه، ومقاصده، غير زائدين فيه، ولا مضيفين إليه ما ليس منه، وغير مقصرين في شيء منه، ولا مخلين وناقصين بشيء من تعاليمه. وهذا معنى كون دين الإسلام وسطًا بين الأديان، فإنه وسط بين الأديان السابقة، وعقيدته السلفية وسط بين العقائد، وعبادته وقرباته، وأداؤها الحق وسط بين الإفراط والتفريط. فلما أن علم الله أن من أهل تلك الأديان قد غلوا وزادوا وتجاوزوا الحد، وأن بعضًا منهم قصروا وجفوا جاء بهذا الإسلام في وضع متوسط، لا إفراط ولا تفريط.

أمثلة على وسطية الإسلام بين الأديان السابقة

ولنأت على ذلك بأمثلة في الأديان، وفي العقائد، وفي الأعمال، حتى يتضح بذلك كون دين الإسلام وسطًا، لا إفراط، ولا تفريط.

فمثلًا عقائد أو أديان من قبلنا من الأمم، منهم من غلا، ومنهم من جفا، وجاء الله بالإسلام فجعله بين هؤلاء وهؤلاء. ففي شريعة اليهود اعتقادهم في عيسى أنه ولد بغي، وأن أمه زانية حيث رموها ببهتان، كما قال الله تعالى: (وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا) . جاءت النصارى فزادوا وغلوا فرفعوه عن طوره، وأعطوه ما لا يستحقه، فحكى الله عنهم أنهم قالوا: (إن الله هو المسيح بن مريم) ، وحكى عنهم أنهم قالوا: (المسيح ابن الله) ، وكذلك كفّر من قال إن الله ثالث ثلاثة، يعني الله وعيسى وأمه، كما في قوله تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) وقال تعالى: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) ، جاء الإسلام فتوسط، لا إفراط ولا تفريط، فالإفراط كان من الذين زادوا وقالوا: هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، وأهل التفريط الذين قالوا: إن المسيح ابن بغي، بل شهد الإسلام بأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وجعله رسولًا كسائر الرسل، كما في قوله تعالى: (ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، وأمه صديقة، كانا يأكلان الطعام) . فشهد له بأنه رسول، وأقر، أو حكى كلامه في قوله تعالى: (وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل: إني رسول الله إليكم) ، فهو رسول كسائر الرسل. وهذا هو القول الوسط، لا إفراط ولا تفريط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت