{فسبّحْ بحْمد ربِّك واسْتَغْفِره إنه كان توّابًا}
في أمره بهذا التسبيح والاستغفار وجهان: أحدهما: أنه أراد بالتسبيح الصلاة , قاله ابن عباس , وبالاستغفار مداومة الذكر.
الثاني: أنه أراد صريح التسبيح , الذي هو التنزيه والاستغفار من الذنوب.
روت عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية يكثر أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك , أستغفرك وأتوب إليك , فقلت: يا رسول الله ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتها؟ فقال: (جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها)
وفي قوله {إنه كان توّابًا} وجهان: أحدهما: قابل التوبة.
والثاني: متجاوز عن الصغائر.
وفي أمره بهذا بعد النصر والفتح وجهان: أحدهما: ليكون ذلك منه شكرًا لله تعالى على نعمه , لأن تجديد النعم يوجب تجديد الشكر.
الثاني: أنه نعى إليه نفسه , ليجدَّ في عمله.
قال ابن عباس: وداعٌ من الله , ووداعٌ من الدنيا , فلم يعش بعدها إلا سنتين مستديمًا التسبيح والاستغفار كما أُمِرَ , وكان قد لبث أربعين سنة لم يوح إليه , ورأى رؤيا النبوة سنتين , ومات في شهر ربيع الأول وفيه هاجر.
وقال مقاتل: نزلت هذه السورة بعد فتح الطائف , والفتح فتح مكة،
والناس أهل اليمن , وهي آية موت النبي صلى الله عليه وسلم فلما نزلت قرأها على أبي بكر وعمر ففرحا بالنصر وبدخول الناس أفواجًا في دين الله عز وجل , وسمعها العباس فبكى , فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يبكيك يا عم؟) فقال: نعيت إليك نفسك , قال: (إنه لكما تقول) . وهذه السورة تسمى التوديع , عاش النبي بعدها حولًا على قول مقاتل , وحولين على قول ابن عباس , ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قابل , فنزل {اليوم أكملت لكم دينكم} الآية , فعاش بعدها ثمانين يومًا , ثم نزلت (لقد جاءكم رسول) فعاش بعدها خمسة وثلاثين يومًا , ثم نزلت {واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله} فعاش بعدها واحدًا وعشرين يومًا.
وقال مقاتل: عاش بعدها سبعة أيام , والله أعلم وصلوات الله عليه متتابعة لا تنقطع على مر الأزمان وكر الأوان , وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.